هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان الروسي ناثان آلتمان
إنها تبحث عن عذر كما في المشكلة السابقة، والتي كانت أمه رأس الحربة أو رأس الأفعى لا فرق وكان على يقين تام بأن أمه كاذبة، وعندما ردّت الظلم عن نفسها أو حاولت فعل ذلك كان هو مَنْ ردّ عليها قائلاً: بأن أمه كأمها ومَنْ كانت صاحبة أخلاق لا تردّ على أمها، فأجابته بأن أمُها لا تكذب ولا تفتري. ذاك الكلام أشعل برميل البارود المُخزّن والله يعلم وهم يعلمون الذي حدث وعلى أيّ شكلٍ حدث. لكن بالرغم من ذلك فقد ألقوا باللوم عليها، فوجدت مبرراً أمام نفسها وأمامهم لكي تبقى في البيت. أما في مرّةٍ سابقة للمرة التي ذكرت فكانت مع أخته وقد تدّخل الجميع لرأب الصدع واختتمت أُمّه الكلام: بأنك الصغيرة وهي ضيفة فيجب أن تعتذري لتسوية المشكلة وعندما أخبرتها بأنها هي التي تكبر ابنتها زد على ذلك أن الابنة هي مَنْ أخطأ بحقها. ردّت أمه إذاً أنت الكبيرة (الماعون الكبير بيوسع الماعون الصغير)، عليك استيعابها ولا تنسي أنها ضيفة. وهذه الابنة كانت قد عادت عند أمها نتيجة خلاف لها مع حماتها حيث قامت بضربها. فأقامت الأم الدنيا ولم تقعدها فولولت وشتمت وكبّرت وعظّمت وتوعّدت. ولكن عندما غمزت أحدى بناتها وأخبرتها بأنها فهمت الموضوع بشكل معاكس وأن ابنتها هي التي ضربت حماتها.. صمتت الأم قليلاً كي تنتقي الكلمات المناسبة وكي تحددّ الوجهة التي يجب وفقها استئناف الهجوم. فنظرت لابنتها نظرة حذرة ثم ضربت كفاً بكف وضربت بكفّيها على جنبيها ثم بقبضتيها على صدرها قائلة: آه يا ميمتي يا حبيبتي يا ابنتي ما الذي مرّ، وكم مرّ على رأسك حتى أفقدوكِ أعصابك، وما الذي فعلوه لك وكم عذبوكِ حتى تصرفتِ على هذا الشكل.. منهم لله، لكن بيت أبوكِ مفتوح. وطال مكوث الابنة في بيت أبيها وكانت تتدخل في الصغيرة والكبيرة وفي الشاردة والواردة. وكلما كانت أمورها تزداد تعقيداً مع زوجها كانت تزداد شراسة ولؤماً وكانت تأمر وتنهي وكل شيء يأتي لخدمتها. وعلى حد قول أمها ضيفة، وللضيفة الصدر ولغيرها العتبة.
فكّرت وتساءلت ألا تأتي الرحمة من السماوات ودعاء الأمهات؟ لكن لماذا الأمهات الحموات، ولماذا يوجد في الدنيا حموات؟ ولماذا هنّ هكذا كالدول الاستعمارية؟ لديهم مكيالين للباطل، الأول لجعل الحق باطلاً والثاني لقلب الباطل حقاً. وعادت إلى ذاكرتها.. بعد فض الخلاف على الطريقة التي رسموها هم، حدّثها زوجها معاتباً ولائماً ردّاً على تهديدها بترك البيت وطلب الطلاق، قائلاً: هكذا إذاً عند أول منعطف تتخلين عني ولا تتحملي ظروفي! أهذا هو الحب الذي تدّعيه؟ إذاً أنت مثلهم أو أسوء منهم فأنا لا أنتظر شيئاً منهم أما أنت فخيبتي بك كبيرة، ولا تنسي نحن في بيتهم. وهنا وجدت نفسها بموقع المخطئ، فقد سحب سلاحها وحاربها به، إذاً في تلك المرّة كما في كلّ مرة بلعت سكينها وسكتت. ومرّة أخرى قال لها: بيت أهلك مفتوح والباب بيفوّت جمل”، إذاً ما الفائدة من المناورة في كلِّ مرّة يسحب سلاحها ويحاربها به. أما في هذه الحالة فلم يتكلم أحد مطلقاً، لا أحد يا أولاد الحرام، يا أولاد الزنى لو أن الأرض تبتلعكم، لكن هو أيضاً لم يهتم لأمرها.. إذاً لماذا هي هنا؟ لكن ليته يدخل ويقول لها أخطأت أو تحملي من أجلي أو اصبري ستتحسن الظروف. لكن لا، هي لا تريد شيئاً منه، أوليس هو منهم؟ لا تريد شيئاً من أحد. يجب أن تغادر هذا الجو الموبوء، ستعاقبه بنفسها.. وتذهب دون رجعة، ولكن هل سيحزن عليها؟ وإذا حزن كم سيطول حَزِنَه حتى ينساها؟ وهي مًنْ ينسيها إياه؟ فهي مازالت تحبه رغم ما حدث.. تحبه! تباً.. وهل ترك مكانا للحب في قلبها؟ فليذهب هو والحب إلى الجحيم، لقد أمتلأ برميلها وهو المرّة تلو المرّة يفرغ برميله في برميلها. وبرميلها تضخّم ولم يعد قادراً على استيعاب أيّ شيء جديد، فهي المرّة تلو المرّة تضغطه فيتسرب الهمّ من جروح روحها النازفة ومن شقوق كرامتها المنتهكة، حتى هذا الضغط لم تعد قادرة عليه، إذاً يجب أن تغادره. لكن إن غادرته، هل ستكون أفضل حالاً؟ وما هو الجديد الذي تنتظره؟ لكن.. في كلِّ لحظة تُهان، وفي كلّ نظرة جرح وعلى كل موقف تُلام وفي كلّ عمل تُحتقر. ودخلت في عوالم نفسها المتصدعة متذكّرة.. في طريق ترابية وقت المغيب في نهاية الصيف وبداية الخريف كانا معاً يراقبان الغيوم مع مغيب الشمس ويفسران تشكيلاتها فتقول: انظر تلك على هيئة حصان وهذه أم مع وليدها وتلك.. فيقاطعها، انظري هناك.. هذان عاشقان مع بعضهما” فتتبدد الغيمة ويفترق العاشقان. كانت تشعر أن قدميها في الأرض ورأسها في السماء وأن كلّ ما حولهما جميلٌ ولهما فقط. مشيا كثيراً دون أن تكلّ أقدامهما وتحدّثا كثيراً دون أن يملا وضحكا كثيراً، يحلمون ويخطّطون، فجأة انحنى والتقط زهرة صغيره قرّبها من انفه واشتمها وناولها إياها قائلاً: اشتميها، وعنما أصبحت الزهرة بيدها واشتمتها.. أكمل كلامه.. ما أقبح رائحتها، فضحكا كثيراً، فما كان منها إلاّ أن جلست على الأرض فجلس إلى جانبها وحدّق في عينيها ناسياً كلّ كلامه وكلّ ما كان حوله وكأنه غواص في محيط هادئ ثم قال: إذاً كما قلت لك.. فأجابت: لكن لا أريد أن اسكن في القرية فضحك قليلا وتجهّم كثيرا، ودق الأرض قائلاً: هنا, هنا مربّط الفرس، هنا مربّط الفرس. فنظرت حولها تبحث عن مربّط الفرس.. لكنه أردّف يا فهيمة يا ذكية أفي هذه الأرض الجرداء يوجد مربّط فرس؟ أقصد السكن في القرية عند أهلي حتى تتحسن الظروف وإلاّ لن نتزوج.. وتابع: أمي امرأة بسيطة وطيبة وأخوتي وأخواتي سيكونون مثل أخوتك وأخواتك وأبي يحبك، ومسكنك سيكون في عينيّ وفي قلبي، وكلّ ما دون ذلك تفاصيل. فسألته: لكن ألاّ تكمن الحياة في التفاصيل؟ أن الخطوط العريضة للحياة واحدة لجميع الناس، وإنما تختلف حياتهم بالتفاصيل ومن هنا تنبع الخلافات و.. فقاطعها لا، لا تعقديها حلّيها من عندك وهي ستحل.
خرجت من عوالمها وتساءلت.. أين مسكني الآن؟ في العتبة لا أجد مكاناً لي في الحظيرة لا أجد مكاناً لي، لكن مَنْ أخذ مكاني في قلبه وعينيه؟ وأبدله بهذا الشكل؟ لا أرى فيهما إلاّ الكره والمشاكل والحنق والغضب، من أبدله حتى كدت لا أتعرف عليه؟ هل هذا هو؟ لا ليس هو، لا حالات عرضية سأصبر لتتحسن الظروف، فقط لو أن أحدهم تدخّل وطيب خاطري بكلمة حتى لو كانت لوم أو عتب “يا أولاد الكلبة أتنتقمون؟” لكن على أيّ شيء؟ لا يجب أن أرحل.. لا لن أرحل فأنا لا أستطيع العيش بدونه ولن أكون سعيدة في أيّ مكان لا يوجد فيه. سعيدة؟!. وهل أنا سعيدة؟ أنا تعيسة بقربه ولا يمكنني أن أعيش على هذه الشاكلة فقد تجاوز خطوطاً واستسهلهاً، وظهرت مكونات كان يمكن أن لا تظهر لولا هذه الحياة العفنة.. إذاً لن أبقَى، لا.. لا سأبقى هل أقدم لهم هزيمتي؟
استفاقت من تفكيرها عند سماعها أحاديثهم وكأن شيئاً لم يحدث، وراعها أكثر ضحكاته ومحادثته لهم. واشتعلت الغيرة في نفسها على نفسها.. أهي المنبوذة فقط؟ لكن هل عليها ترك الساحة لهم؟ هل ستنكسر أمام هذه الشرذمة؟ لكن أليس هو منهم؟ وكيف ستبتلع الكلام الذي نطق به؟ هل هو حقاً نادم على زواجه منها؟ إذا كان نادماً فليتخذ القرار هو فيريحها من التفكير ويريحها من تبعة اتخاذ القرار، لكن هل وجودها غير شرعي؟ أليس وجودها بينهم برغبته وبشرع المجتمع وكتاب الله؟ ألاّ تستحق الحياة؟ أليست بخروجها من حياته ستكون أكبر الخاسرين؟ ألن تكون المذنبة والضحية بنفس الوقت؟ أسندت خدها على يدها وقالت: كم أكره نظرة الاستقرار في أعين الأغبياء، وكم أكره نظرة الرضى في أعين الأشقياء، وكم أكره نظرة العزّ في عيون الأذلاء. إذاً كم أكرههم! لكن هل يدركون؟ لكنني سأتميز عنكم حتى لو كان تميزي بالتعاسة والقهر، وسأناضل حتى أطوّع الحياة.. لا أن تطوعني. وقررت أن تبقى وتكافح وتواجه وأن تسحب الأمور إلى جانبها.. قد تخفق في مرات عديدة وقد تنجح في مرات أخرى. وهي طيّبت خاطرها بكلمات قالتها لنفسها.. عزيزتي لا بأس هكذا هي الحياة.. الحياة كفاح وإلاّ ما لونها وما طعمها؟ عزيزتي.. هيّا قومي انفضي غبار ذُلهم عنك وارفعي رأسك، أقلبي وبدلي الأدوار.. اجذبيه وتقرّبي منه، قولي له كلّ الذي يضايقك منهم في حينه، لا تأخذك الشفقة على أحد، لا تتصرفي إلاّ كصاحبة بيت وصاحبة حق. هيّا لا تتركي ملعبك خال منك.. هيّا باغتيهم بوجودك بينهم وبقوتك وبأنك لم ولن تنكسري أطلبي منه أيّ طلب وهو سيُلبيك فوراً، سيلتقط طلبك وينفذه لأنه سيعتبره اعتذارا منك على ذنب اقترفه هو، أيّ طلب وليكن صغيرا.. أنبوبة الغاز لا تُفتح أو الدرج الذي أضع فيه ثيابي لا يفتح، الآن وبسرعة قبل أن يتفرقوا، ضربتك لا بدّ أن تصيب أحدهم وتؤثر على الأخرين. هو القلعة وبيدك المفتاح إياكِ أن تسمحي للآخرين أن يجربوا مفاتيحهم، الملعب ملعبك ولا يوجد فيه أحد غيرك كلهم زوّار على حياتك حتى ولو كنتِ زائرة في بيتهم. هيّا واحد.. اثنان.. ثلاثة، افتحي الباب.. جيد.. تخطي العتبة.. جيد.. باغتيهم.. أحسنت.
صديقي.. هل تُؤمن بنجاحها واستمرارها؟ ربمّا تستطيع لأنها هي مَنْ أرادت البقاء دون أعذار.. فقط لأن بقاءها حقها. وربمّا تستطيع أن تلغي مقولة “مؤسسة الزواج مؤسسة فاشلة” لكن تيقنت بأن مؤسسة الزواج هي “المؤسسة الأكثر عبودية أو هي المنفردة إلاّ إذا أراد السجّان عكس ذلك ولا من معين ولا من نصير”. على السجين الصبر وعليه تحسين ظروف سجنه فلا إضراب ولا نقابات ولا حقوق إنسان تنفع في مثل هذا السجن. وللانطلاق ستبدأ من المجتمع والدين فهما سلاحا الرجل، والذي لطالما استخدم لفظتي (عيب أو حرام). لكن لماذا تتعقد حياتنا وتختلف نظرتنا للأمور كلما تطورنا في التفكير، وإذا كان الحال هكذا.. أليس الأفضل أن نظل أغبياء وبلا طموح أو إرادة؟ أليس الأفضل أن نقبل بكل شيء دون محاولة تغييره وعلى أنه قدرُّ؟ أم نحاول التغيير ونتذوّق الأمرين في كلّ محاولة وقد ننجح وقد نفشل؟ علماً أن نسبة الفشل كبيرة أمام نسبة النجاح، أم نهرب من واقع مرير إذا لم يكن لدينا قدرة على تحمله؟ أم نعتمد على الرجل وقناعاته بضرورة التغيير؟ لكن كلمة أخيرة.. تقول الأسطورة: عندما خلق الله ابن آدم ووجده وحيداً منزوياً خائفاً حزيناً كئيباً مستكيناً خانعاً يائساً رأف به الخالق ورقّ لحاله فخلق له الأنثى، فجزع منها ابن آدم ووجل. فقال له الله: لا تجزع لقد خلقناها من أجلك على هيئتك وشكلك ومن جنسك تشدّ من أزرك تعينك وتؤنس وحدتك. والله في كتابه العزيز يقول: (ولقد خلقناكم من نفس واحدة وجعلنا بينكم مودة ورحمة). نقول للرجل: إن استطعت نسف الأسطورة وما تحمله من أهمية المرأة بالنسبة للرجل فهل تستطيع نسف كلام الله عن المودة والرحمة؟ وإذا كان الرجل ربّ البيت، يستطيع أن يسعد أو يشقي أهل بيته، فهل يظن نفسه قد أصبح إلهاً؟