هناك يتساقط البشر كأوراق الخريف 

هناك يتساقط البشر كأوراق الخريف 

اللوحة: الفنان السوري طلال معلا

سليم الشيخلي

في نهاية عام 1979 تخرج حسين من المعهد الزراعي وأصبح لزاماً عليه أن يؤدي الخدمة العسكرية. استغل عطلة الصيف لمراجعة دائرة التجنيد وملء ملفه بالأوراق الرسمية وأخبروه الالتحاق بمعسكر أبي غريب بداية العام الجديد، استعد لذلك، سنتان ويبدأ حياته العملية.

تركت هدى بعد التصليح المدرسة إثر حصولها على الشهادة المتوسطة وتزوجت من موظف في منشأة الألبان العامة. لم أشترط عليه حين تقدم لخطبتها إلا أن يضعها بين عينيه. كان وكما يقول غصناً مقطوعاً من شجرة غريبة فلا أهل له أو أقارب في بغداد. قريته تنام في رحم الأهوار ولكونه رفيقاً حزبياً فقد تم تعيينه في بغداد رغم أن تحصيله العلمي أسوأ من زوجته. بفضله عينت سكرتيرة في إحدى المدارس القريبة من دارها الجديدة في مدينة العامل. ورغم أن سرها قد وضع داخل قارورة ألقيت في قاع بحر بعيد لكني ما زلت أحس بوخز هلامي في داخلي يجرح كبريائي فأبدو مثل أشياء مرمية في سلة مهملة والساعة لا تقف عند حد لألتقط أنفاسي وأرى مواضع خطواتي المتعبة.

ابتعد سعد كثيراً عن المدرسة ثم انخرط في الجيش الجمهوري الذائع الصيت والذي أغدق عليه الكثير من مزايا خاصة بعد أن أصبح مرافقاً لإحدى الشخصيات العسكرية المهمة. تمكنت تلك الفترة بمساعدته من شراء دكان صغير قرب حارتنا أبيع فيه الخضار والفواكه والسجائر وبعض المواد التموينية.

 تتحرك الأيام في لحظات غير محسوبة نحو تحقيق جزء من أحلامنا المبعثرة فتلمها كحبات مسبحة لكن يبقى الخيط من دخان قدينفلت في أي لحظة لم تدون في حساباتنا اليومية. أصبح العمل جيداً، استطعت من أرباحه أن أرمم البيت وأبني طابقاً جديداً. تباشير حياة جديدة هادئة تلوح في الأفق فأهرول إليها، طمأنينة تسيج القلب وتدخله فتضيء حارات أغرقها النسيان، التلفزيونيدخل غرفة الجلوس، ثلاجة روسية تزين المطبخ. عندما ينتهي حسين من خدمته العسكرية سأسلمه الدكان وأضع رأسي تحت عشتار وأناجيها مثلما كان يفعل أمين. إحساس بالرضا الحذر وسرور رغم حبوه يتبرعمان مع ياسمين هذا الربيع الذي يجيء ليلتصق بدفاتر الطلبة، أغاني العشاق ومراكب الصيادين ويغادر مسرعاً بكل رشاقة.

 تلبس أغصان الصفصاف أوراقها الجديدة وتدلي جدائلها، تغسلها بماء النهر. يمر هذا الصيف سريعاً. تستيقظ آلة الحرب مع الخريف لتدوس بجنازيرها عطر الياسمين، أغاني جنوبية ودفاتر الطلبة. تقرع طبول الحرب فجأة بأن هناك مؤامرة على الجبهة الشرقية تستهدف أمن البلد ويظهر علينا القائد الضرورة من خلال التلفاز في خطاب طويل نشم منه رائحة الحرب مع إيران، مارد الحقد والكره المحبوس في قمقم منذ مئات السنين يصحو الآن. أدوات الحرب تستيقظ، تتململ، تتحرك فتنثر روائحها الكريهة، الجبهة الشرقية تشتعل بنار كنا نظن أن معاناة الفقراء السابحين على بحيرات النفط أخمدتها.

 اختفى حسين وسعد فترة ولم يصلني أي خبر عنهما، بعد أربعة أشهر سمعت تلك الطرقات المعروفة على الباب فقفزت وصحت

– حسين؟

أجاب بوهن

 – نعم.

أخذته إلى قلبي وشممت رائحة ولدي الجديدة المبللة بالموت والبارود.

– كيف حالك يا فلذة كبدي؟

– سأكون بخير ما دمت هنا فهناك مهولة، هناك يتساقط البشر كأوراق الخريف، يرحلون دون وداع إلا تلك النظرة المنكسرة وعلى الشفاه سؤال “لماذا؟“. لا وقت للدفن أو الرثاء. العاصفة تجعلنا نفكر كيف ننجو بأنفسنا فقط ونحن نرى الجرافات تكنس جثث الموتى لمقابر جماعية. الموت أغنية صدئة تطوف الخنادق، تصعد إلى السماء لتنزل على شكل قذيفة حاقدة تختلط ذراتها بالهواء فتفقده بكارته وترسم الأسود على طهارته.

جعلني حديثه المأساوي المشوب بالهدوء أخاف عليه أكثر، فلذة كبدي يصير حطباً لحرب مجنونة تحرق اليابس والأمل، الأخضر والحلم، الإنسان والكبرياء. لم أكن قادرة أن أحثه على الهرب ففرق الإعدام خلف خطوط الجبهة ستؤدي واجبها نحوه ويكتب على تابوته جبان. يا لطيف الألطاف نجنا مما نخاف، ها نحن نضيع من جديد وتضيع معنا البوصلة والجهات الأربع والسفينة.

الحديث ثقيل كأكوام حديد تسد النوافذ ولكي أجذف في مسار آخر وأخرج تلك اللحظة من القسوة التي غرقنا بها ولأهدئ ولديسألته

– ألا ترى أن الوقت قد أزف أن تتزوج؟

– الزواج مسؤولية والظروف صعبة وللحرب قوانينها القاتلة.

– أحس أن نهايتي قد اقتربت فكحل عيوني بأطفال يملؤون علي البيت. أريد “أمين” جديداً يخلع عن جسدي ردائي الأسود، والحمد لله الحال مستورة كما ترى.

التصقت عيونه بسقف الغرفة لتمنحني مساحة أتسول فيها موافقته فقال:

– على كيفك.

– اذن هيئ نفسك في الإجازة القادمة.

كانت إجازته أسبوعين زرع فيها الأمل ثم حصده ورحل إلى الجبهة من جديد فشغلت نفسي في تلك الفترة بالإعداد لزواجه. لم أجد أنسب من سليمة ابنة سعدية صديقتي ورفيقة رحلة الكدح في الكرادة مع الخضار والبرد والصباحات الطويلة. فرحت الأم بطلب يد ابنتها، سنكون قريبتين من بعض أكثر. بنت على قدر بسيط من الجمال، تركت المدرسة عند المرحلة الثانوية وقبعت في بيتها لتساعد أمها في أموره. جهزت كل المسائل الضرورية قبل أن يعقد القران فللحرب لغة مطلسمة ولها أطروحتها وحوادثها في بلد توقع فيه غير المتوقع. هيأت غرفة نوم جديدة، فراش، أغطية، سجادة كبيرة، ملابس للعروس، قلادة جميلة وخواتم ذهبية وقطعة قماش فيها جميع الألوان إلا الأسود. أريد أن أحرك بحيرتي الراكدة من جديد وأنثر عليها بذور حياة جديدة فالحرب ليست حربي. سأمزق أوراق الحزن القديم وسوف تكبر عائلتك يا أبا حسين وتنمو مثل عشتار، سأضيئ شموعاً أصنعها بنفسي وأطرد كل خيوط ظلام عششت في الذاكرة. بعد ثلاثة أشهر جاء حسين بإجازة جديدة وبوجه مثل ليمونة عصرت تواً، أخذته إلى روحي فمدت يديها لتعانقه وقالت له بهمس حبيب:

– كيف أنت يا حسين؟

– وجه جميل بعمر الزهور حدثني عن حبيبته التي تنتظره،  يكتب لها يومياً خواطره ورسالتها بين يديه تحول في لحظة غبية إلى قطع متناثرة اختلطت بتراب الأرض واحترقت كتاباته فتركناها.

 استمعت إليه وهو يسرد حكاية الموت بالمجان لأفرغ ذاكرته من كوابيس الحرب الثقيلة التي أحسها تمور في صدري. في لحظة معينة سألته عن أمر الزواج وأن ينسى ولو للحظة رائحة البارود وشكل الخنادق فتوقف عن الحديث ليترك لي مسافة أقول له فيها.

– أنت الآن بين أهلك في بغداد، تمتع بإجازتك يا ولدي، انس صوت الرصاص وصورة عزرائيل بمنجله الكبير يحصد بالجملة أرواح الناس، ألا تذكر حديثنا عن الزواج،  لقد انتهيت من ترتيب كل شيء وإن شاء الله ستوقد شموع الفرح الجديد بيديك الخميس القادم.

 جررته من يده ليقوم معي وأريه ما فعلت. قام مكرهاً. سحبته وصعدت به إلى غرفة عرسه الجديدة بكل محتوياتها، الهدية التيسيقدمها إلى العروس وأشياء أخرى كنت أسميها له وأشرح طريقة استخدامها. كان ينظر بصمت يوخز فيَّ أمومتي. لم يسألنيعن اسم العروس، وعائلتها. أحس بما يحيطني من ضيق فابتسم قليلاً. قبل أن ننتهي من وجبة الغداء حضر سعد، فأشرقت شمسان في ذلك اليوم وعلى عكس حسين ملأ البيت حركة وضحكاً يمتد الى سواحل الصخب. أشار إلى أخيه أن يتهيأ ليذهب معه إلى شارع الرشيد. اشترى بدلة عرس زرقاء وربطة حمراء بلون الشفق وما يحتاجه عريس لتبتدئ مراسيم الزواج.

 رغم أني نسيت كيف أفرح لكني وجدت جسدي وسط حلقة الراقصين يتلو نشيده بحركات كانت مدفونة تحت بقايا الجنائن المعلقة. كنت أنسى فأقلد الراقصين وسط الحلبة. الفرح شيء لذيذ كالحرية لا تحس به إلا عندما تفتقده. إنه فرح حقيقي يولد في هذه الدار المنسية في جزء منسي من المدينة رغم أصوات المدافع المضادة للطائرات المغيرة، التعتيم ورشقات الرشاشات هنا أو هناك. الحمد لله الذي أراني هذا اليوم قبل أن أموت وغداً سأفرح بسعد مثل فرحتي اليوم بك يا حسين، سأمسح الصدأ المتراكم عن جدران شوارعي وأقبية روحي وأملأها زيتاً لتبقى مضيئة. أحسست أني أولد من جديد على أنغام طبول العرس وصوت الرصاص وأزيز الطائرات وزغاريد الأحبة. زف حسين إلى أحد الفنادق الجديدة الفخمة وعاد بعد يومين ليبدأ حياة جديدة. أكرمني بحب أكبر من ذي قبل رغم انشغاله بزوجته. قلت له مداعبة.

–  كيف كان طعم العسل؟

– أَصلي ولذيذ جدا. ثم أطرق خجلاً بابتسامة فتحت نافذة الى الأفق.

بعد فترة رحل من جديد والأيام تدور وكرة الحرب الملتهبة تكبر، تهدأ لحظات لكن لا شيء هادئاً في البوابة الشرقية. صيوانات العزاء للراحلين تسد الشوارع. أصبحت صورة النعش المغطى بالعلم الحزين منظراً مألوفاً. وفود تجيء وأخرى تروح تدوس على جثث الأحياء الموتى، قرى تحترق وأخرى تختفي، أطفال أسرى مقيدون بالذل يتدلى مفتاح الجنة من رقابهم شاهدة على حضارة البؤس يطاف بهم في شوارع بغداد الحزينة، اليأس من نهاية هذه الحرب المجنونة يستحيل إلى أزهار شوكية حتى أن سعداً قال لي مرة إن الآمر سأله متى تنتهي هذه الحرب ثم صمت


هدى..

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.