آسفه.. أعرني قميصك

آسفه.. أعرني قميصك

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنانة النرويجية إنجريد ثورتفيت

اختلال ثلاثية الهوى والكرامة ونخوة الشرف عند امرأة فقدت توازنها، فقد استغربتها لأنها خالفت جميع مَنْ سبقنها. كانت قد لبست قفازها، ووضعت شالها على كتفيها، وكادت أن تنحني لتلبس حذائها، من أجل خروجهما في نزهة عندما قال لها: إن فعلتها سيسجّلك التاريخ، ابتسمت واعتقدت أن الأمر دعابة وقالت: وما شأني بالتاريخ؟ لا أريده أن يسجلني فليسجل غيري. التقطت مفاتيح السيارة قائلة: هيّا بنا إلى أين تريد أن تأخذني؟ غير أنه كرر فتح الموضوع معها مراراً وتكراراً، وفي أغلب الأحيان، مبرراً.. معللاً.. شارحاً الأسباب. فقالت له: اصمت. سألتها لماذا لم تسمعيه، فقد توافقيه، أو أديري ظهرك للذي يدير ظهره لك، فأجابتني: هل تساومين أحد على اقتلاع عينيك أو قتل ولديك؟ هناك أشياء لا يمكنك المساومة فيها، أما قولك أديري ظهرك، فلا أستطيع، لأنني ما زلت أهواه، هو شغفي، هو عشقي، ماذا يريد؟ هل من مزيد؟ يريد أن يصبح إلهاً يحيي ويميت؟ لا.. لن أموت! الإله وحده مَنْ يحيّ ويُميتْ، لا لن أموت ميتة العبيد، وإما أن أكون أو لا أكون، ولن أقبل بأنصاف الحلول، مَنْ يتحدث عنها أنا، وأنا هنا وغيري لن يكون، ولن أكون بغباء المُضحين، آسفة المكان غير شاغر وما زلت موجودة، آسفة وعذراً بكل اللغات لن أسمح لأخرى بالاقتراب من مملكتي مهما كانت الأسباب، عذراً الأنوار مطفأة، الأبواب موصدة، الطرقات مغلقة، أنظر من عينيه فأغلقهما، أتنفس برئتيه فقطع حبل الوريد، لن أفقد البصر وحدي، ولن أختنق وحدي، سيكون هو وهي وهنّ معي. من الذي قال: “أنا أفكر إذاً أنا موجود” كلّ الأشياء موجودة؛ الغدر، الخيانة، الحيوانات، الأحجار، سأضيف قولٌ للقول وأقول: أنا غاضبة إذاً أنا موجودة، إنها أنا تلك الموجودة ومنْ غيري تكون! سأنتزع روحها حتى لو اعطتني عينيها، سأدافع بكلّ الوسائل بكل الحراب، القلعة لي وإن لم أحمها أنا فمن سيكون حاميها إذاً؟! سأعلنها محميّة حرمها مساحة الكرة الأرضية، لن أمنع الاقتراب والتصوير سأمنع النظر ومسّ الأثير، سأضع كاميرات تصور حتى للعصافير، سأضع سماعات صوت حتى للحفيف، سأغلفّه بالأسئلة وألفه بإشارات الاستفهام، إلى أين أنت ذاهب؟ ومن أين أتيت؟ هل رأيت أحداً؟ رجلٌ أم امرأة؟ لا بد أنها امرأة. منْ هي؟ طويلة أم قصيرة؟ جميلة أم قبيحة؟ لا، لا تقل، لابدّ أنها قبيحة ووضيعة أي كانت منْ تكون، ما اسمها؟ كم عمرها؟ هل أعجبتها؟ هل أعجبتك؟ لا، لا تقل لم تعجبك، لابدّ أنك متيّم بها لا ليست هي المتّهمة، ولا النساء متّهمات، كلّ الإناث متّهمات، تاء التأنيث متّهمة، اللغة العربية متّهمة، لا تضجر ولا تملّ، استرح ما استطعت وأجبني.. لماذا فتحت النافذة؟ ولماذا أغلقتها؟ من على الهاتف؟ من قرع الجرس؟ لمن هذا الرقم؟ أين شردت؟ وبمن فكرت؟ مددت يدك، رفعت رجلك، اغمضت عينيك. رمشت، تأوهت، خطوت، توقفت، نمت، استيقظت، تنهدت. اشعلت سيجارة، أطفأتها. ما هي الأسباب؟ ماذا حدث؟ وما الذي يمكنه الحدوث؟ ما الذي قلته؟ وما الذي لم تقله؟ وما الذي يمكن ان تقول؟ وما الذي لا يمكن أن تقول؟ لا تصمت، لا تتلاعب بالألفاظ، لا تختبئ وراء الكلمات، لا تنظر، لا ترنو، لا تلتفت. لا تحلم إياك أن تغافلني أثناء نومك وترى أخرى. أعرف ما يدور في ذهنك أثناء نومك وأثناء يقظتك وسأعرف كم نفساً أخذت وكم رمشة رمشت، وسأعرف كم خطوة خطوت سأشتمّ رائحتك وأتفقد ربطة عنقك في الذهاب والإياب، سأعدّ شعر رأسك ومسامات جلدك عند الصباح وفي المساء، أهدأ لا تضجر فقط تعاون معي، المرحلة مؤقتة إنّها حالة من حالات الطوارئ، لن تدوم طويلاً ربّما خمسة أو ستة عقود، وعلى الأغلب قرن، قرن واحد فقط لا غير، فقط كن هادئاّ، فترة وتمّر. 

عليك أن تتجاوب معي أنت من نزع الصمام، أنت من أضرم النار، أنت من أحدث الدمار، لن أشتعل وحدي..! ليس بمقدوري أن أشتعل وحدي مهما ابتعدت النار في الأرض والسماء وتأتي من كل الجهات، لن أقف وقفة المتفرج، أنا هنا وغيري لن يكون، وليسمع العالم ليسمع الجميع، سأصرخ ملئ حناجركم.. أنا وبعدي الطوفان. ما همّني إخلاص الكائنات إن غُدرتْ؟ ما همّني العدل إن ظُلمتْ؟ وما همّني الحرية إن أُسرتْ؟ لماذا تستهجنون ما تسمعون؟ خذوا العبرة أو بالقياس على ما أقول، ستقولون هذا كلام مجانين، نعم بالذي حدث أصبحت من المجانين، لكن مهلاً من قال إن الحياة حكرٌ على الظالمين ألا تنظرون؟ فليسمع مَنْ يسمع لا وعود تثنيني ولا عطايا تغريني، وعود ووعود، اسفة لا أريد أن اكون فوق الجميع، لا أريد أن أكون السيّد وأنتم العبيد، هل تستطيع أن تدرك حقاً ما أريد؟ أراك تسأل ولذلك أجيب.. أريد أن أقف على الأرض وأمد يدي إلى السماء وأن أُلبس الشمس ثوبي وبمشطي أُسرح شعرها لأُزيدها هيجانا، وان أجلس على كرسيها لأُعلّمها أنا كيف تكون سيدة الأزمان، وأن أمسح جبين القمر فأربكه وأرعشه وازيده عشقاً وهُيام، وأن أجمع بسلّتي أكبر النجوم وأومئ لأجملها عند الضجر وأُشعل ضوء القمر وأن أجمع الطيور على شرفتي أجملها لوناً وأعذبها ألحان و أُبدّل نوارس البحر بطيور تفوقها حرية وقدرة على الطيران وأجعل موج البحر يخرج ينتظر قدومي على الموانئ والشطآن، وأن أسأل هل من أحد مثلي من يجرؤ على العصيان؟ تقولون هذا هذيان فصاحب القول إما مجنون أو سكران. هذيان؟! ربّما، لكن الذي أعرفه حقاً ولا أدري كم مرّ عليه من الزمان، والذي أتذكّره ولم يشوبه النسيان، أنه كان بين الأهداب رعشة وكان بحماية الأجفان، أنه كان بين الضلوع مستوطناً وأخشى قلة الأمان، وكان النبض عند تمرد القلب وتوقفه عن الخفقان، وإنه كان على الأكتاف وفي الأنفاس، وكان قبلتي وكأنّني من عبدة الأوثان، له القول والفصل وعليه الأمان، أعلى مثل هذا يكون الرد بالنكران؟ هل حقاً تريد أن تعرف ماذا أريد؟. أريد براحتي أن أمسك الزمان وبمكنستي أن أنظّف المكان، أن أصنع قهوة الصباح، أفتح النوافذ واغلق الأبواب، وبكتفيَّ اسند الجدران، أن أضحك وأبكي، أن أفرح وأتألم، أريد أن أشعر بالأمان.

تقولون عطايا!؟ عطاياه مردودة، “عقارات سيارات”؟ هذا هو الذي لا اريد، قلبه، حياته أيضاً لا أريد. قلبه له ليحيى به أما حياته فلاحياها معه، هل هذا باهظ ام أنه يريد كلّ شيء بالمّجان؟ إن كانت حياته كما يريد، فذاك لأنني أنا من كان يريد، وليس لأني من العبيد، ومن الآن عليه أن يسمع ما أريد، لا أريد أعذار الحياة صياغة وصناعة لا تكرار، الحياة أن لا تخطو على خطوات من سبقك لأنك ستصل إلى ما وصلوا إليه في نهاية المشوار، الحياة كفاح ومواجهة، لا اختباء أو فرار، صدق وثبات، لا استعلاء ولا استكبار. لا أحد يصنع قدره، إنما يصوغ حياته وهذا ما أحسنته وأجدته باستمرار مهلاً لا صكّ مساومة ولا صكّ براءة، لا افساح للطريق ولا مشاركة، ولا ترك المكان شاغراً، وأن أبى سأقول له أعرني قميصك. أقسم بدموع العاشقات، أقسم بحليب الأمهات ومَنْ أكثر منهنّ يملك الوفاء؟ أقسم بكل المدّنسات فما عدت أؤمن بالمقدّسات، أقسم.. بأن الوفاء لم يطرق للرجال باب، هم الأول والآخر، والظاهر والباطن، ومنْ يجرؤ على المس بالمحظورات؟ من عندهم تنطلق وعندهم تنتهي الأشياء، فالحياة لأجلهم وأنتنّ وأشياءكن مكمّلات. خصلات الشعر، بيادر القمح، بيارات الزيتون، جميعهم ألم يكونوا كما أرادوا، وأنا كما أريد سأكون أنا عناقيد قمح وسنابل زيتون وشمس وقمر. طوفان وأعاصير. زلازل وبراكين. قسماً برموشي وعيوني سأحمي الدار به أو بدونه أن لي فيها ما يدفعني لأن أكمل المشوار، إن في شراييني دم بحجم ماء البحر ويفوق بحرارته دم الأحرار، ومن يجرؤ على الاقتراب أن كان من هو مثلي بالدار، قسماً سأحرق السابق واللاحق وقسماً سأغرق من عليها، قسماً لن أُبقي لا على زرع ولا على ضرع، قسماً لن أبرح مكاني، قسماً لن يقترب من سمائي أحد، مكاني الأرض كلّها وسمائي السماء كلّها، الكون كلّه لي سأعيد ترتيب الكواكب والنجوم، سأبدّل موقع الأرض بعطارد. قمره لي، شمسه لي، لا أريد ضيائهما إذا كانا لغيري، المكان لي، لا تقولوا أنانية فليضع نفسه مكاني، ضعوا أنفسكم مكاني، لا تقولوا كونوني مضحية، من قال أن التضحية فضيلة؟ وإذا كانت كذلك إذاً لمّا لم يستأثر بها لنفسه؟ أن من يضحّي يضحّي بكلية لأنه يستطيع العيش بالثانية، فهل يضحي برأسه؟ أو بقلبه؟ وإذا الآخر قبل هذه التضحية، هل حقاً يستحقها؟ا لا أن التضحية للضعفاء الأغبياء. إذاً عليه أن يعيد الذي فات ولكن هيهات هيهات. وسأقول له أعرني قميصك وإلاّ انتزعته بالقوة، ليس لأنني لا أملك الجرأة، ولا لأني لا أملك الحق، ولكن لأني لا أملك القانون، القانون..؟! أيّ قانون هذا؟ قانون الرجال؟ كم الأمر مضحك! دع قميصك، لا أريده، فقميصي أكثر رجولة منه، فقط أفسحوا الطريق لعزرائيل، الجريمة.. (جريمة شرف وأخلاق). قد تقول جنت، أأنا جننت أم أنك أنت المجنون؟ أعاقل يفر من سجن إذا كانت جدرانه شغاف القلب ونوافذه رموش العيون، تُعللني بدخول التاريخ !؟ أتدري أنني أعدتك لأن تكون التاريخ والمؤرخين، فأنا أنثى اختزلتُ لك في نفسي نساء العالمين، وكتبتك نظماً ونثراً وموشحات للمغنين، وجعلتك منارة روحي وقلبي، فإذا مات الحاضر والمستقبل فأيّ شيء أفعل بالتاريخ؟ لا تسدّ الثغور، لا تقوِ الحصون، لا تقل غدراً ها أنا ذا أقول: أبوابك مشرعة، وصدرك مكشوف، لا لن أعلن الحداد، لن ألبس السواد، أبعدوا عني رداء العفّة هذا فهذا عفنٌ من تركة الأجداد مهلاً توقف، هات الذي لي عندك وارحل خذ أشياءك وأرحل فأنا لا أريد أن أتذكّر مهلاً توقف، أفعل ما تشاء، أنا من يغادر فما عدت أهواك، مهلاً أغادر! إلى أين؟ فالكون كلّه لي، وأنت، أنت وأشياءك ممتلكات، هكذا يكون الصمود، هكذا تكون الحياة، الحياة كفاح، لا بحث عن المسرّات، هكذا أفهمها وإلاّ لن أكون جديرة بأن أدفن تحت التراب. أصمت. لا أريد السمع، لا أريد البصر، سأغمض عينيّ وأضعك في بصيرتي بصراً، وبصوتك سأخيّط أشرعتي الممزقة من طول السفر وعلى بقاياك أجمع بقايا نفسي وأصنع كوخاً من تراب ومن حجر، فأرسم على بابه أملاً وخبزاً وأرسم شمساً وقمراً، وأرسمك على جداره لعلّي أدعوك حين يجنّ السهر، فيكون خليلي ومؤنسي عندما يَملُّ ويضجر مني الضجر، وأتحداك، أن تنساني و أن تمحو من نفسك الأثر، وستدرك كم كنت غنياً بي و بأنّني ملاذك بعد أن يضنيك السفر.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.