اللعبة

اللعبة

اللوحة: الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي

كثيرا ما نتسرع بإطلاق تلك الكلمة “غور في ستين داهية”، تمنيت لو تكون داهية واحدة، لكي تتاح فيما بعد فرصة للتراجع والندم والاعتذار، لكن “الستين داهية” تبعدك كثيراً عن أي فرصة للاستعادة ثانية.

في الماضي كانت لي هواية غريبة؛ كنت لا أستطيع أن أجلس مع أشخاص في حديث طويل، خاصة عندما نَخُوض في مَواضيع بعيدة عن الثقافة أو الدين، فبعيداَ عن هذا الملعب لا أُحسن ولا أسْتَسيغ أن يَطول اللقاء.. لهذا سريعاً ما أسرح بعيداً عنهم، ويَضيع مني غالبُ الحديث، وحين يسألني أحدهم سؤالاً مفاجئاً يفضحني ارتباكي، فأبدو ساذجاً وأخْرَقاً، فيهزوا أكَتافهم تَحيراً ويأساً من هذا الأبله.

أجد نفسي أثناء تلك الحوارات أتسلى بالنظر لمن يتحدث؛ أتذكره في الماضي في مراحل حياته التي خَبِرتَه فيها، ثم أتخيله وقد مر به الزمن للأمام، أُعمِل فيه فرشاة خيالي… شَعْر أبيض، سِمنة، تجاعيد، انحناء ظهر، ضَعف، زهايمر…. الخ، ثم أرسم عدة سيناريوهات بناءً على هذا الخيال.

اليوم تكثفت تلك الهواية عندي، ولكن بتطورات جديدة تصل إلى درجة الهوس المَرَضي؛ فما من مكان أجلس فيه بين أشخاص يتبادلون الحديث الودي، إلا وأسأل نفسي: متى يفترقان؟ متى يتخاصمان؟ 

يَنْدر من يَحْتفظ بمشاعره صافية ومُتسامحة في علاقاته، فالأحداث التي تَهب كالرياح العاصفة كثيرة، والمتغيرات طاغية، والشروط في العلاقة تزداد تعقيداً.

ولهذا ففي غالب المعاملات يحدث توتر يَعقبه انفصال مادي ومعنوي عنيف، حتى عندما يتصالح الاثنان ثانية، يُصبح التواصل بلا روح؛ لهذا عندما يتعامل زميلان بود زائد ومُبالغة في المجاملة، أقفز بخيالي للأمام؛ وقد وُضعت بينهما علاوة أو ترقية أو فتاة جميلة؛ عندما ينفجر بينهما حُب الأنا فينشب بينهما التنافس وتبادل الاتهام واللوم، ثم لا يصفو ود بعد ذلك لهما.

حتى عندما أنظر إلى أبنائي ألعب نفس اللعبة، أتخيل هذا وهذه وقد استقل كل منهما بحياته وأسرته؛ أنظر إلى المستقبل المتوقع، فأجده امتحاناً شديد الصعوبة، فالاحتفاظ بصفاء النية وشفافية المشاعر مع اختبارات الدنيا يعتبر عملاً بطولياً واستثنائياً لا يَقدر عليه إلا أقل القليل.

أَنظُرُ إلى صديقين من دينين أو مذهبين مختلفين، يتصادقان عمراً طويلاً، ثم تأتي لحظة غبية يتشابك فيها ويختلط ما لا يجوز له الاختلاط، فيحدث الفِراق وليته يتوقف ولا يتطور إلى عداء.

الغريب في الأمر أن من يُشجع فريقاً رياضياً لا يقدر على ترك هذا الهوى بغض النظر عن نجاح أو فشل هذا الفريق، فحبه غير مشروط، لا يَحمل ورقة وقلماً ويجمع هزائم الفريق ويضعها في الميزان مقابل فوزه (إلا إذا قام النادي بتوزيع ملابس أو أدوات رياضية على نصف الجمهور وحرمان النصف الآخر)، هنا تتَدخل عوامل أخرى هي بالفعل الفيروس الذي يُكدر الهوى ويُحول دَفته.

لماذا لا يكون اختيار الحب والصداقة والقرب مرة واحدة لا يتم التراجع عنها؟ لماذا لا نحب بروح مشجعي الفرق الرياضية؟ فأنا أراه أنزه هوى في الحياة… حب بلا شروط، بلا التفات للحوادث، حب فقط وتَحمل وتَمنى الخير.

لو كانت العلاقات بين الناس بالجمع والطرح لكانت النتيجة معقولة قليلا، فنستطيع جمع المحامد ثم نطرح منها المذمات، لكن للأسف العلاقات تقطع بميزان طاغ وظالم، ميزان المَوقف الأخير، عشرات من المواقف الحميدة، تنهار في لحظة أمام موقف وحيد غير مقبول، يتحول الصديق بعدها إلى إنسان خبيث ولئيم وحقود وأسود القلب و.. و.. و.. وتنفرط المذمات بلا حدود، فمن الصعب تخيل الإنسان الواعي لعلاقاته.

السؤال الجوهري هنا.. هل يمكن تطبيق نفس اللعبة على الفرد الغربي أو الأميركي؟ الإجابة عندي لا! والسبب:

أولا: المسافات بين الأفراد في أوربا تختلف تماما عنها في العالم العربي، والمسافات بين الأفراد في العالم العربي قريبة بدرجة مبالغ فيها.. أما في الغرب فمتباعدة بدرجة مبالغ فيها؛ والنتيجة أننا نعاني، وهُم يعانون، ولكنا نختلف في نوعية المعاناة.

في أوربا حرية الفرد وخياراته مقدسة، فلا سُلطة لأحد أو حتى نية للتدخل في شؤونه، وعندما تتباعد المسافات يختفي العَشَم، حيث يضعُف جداً عندهم الترابط الأسري والعائلي مقارنة بما عندنا، ولهذا لا تنافس ولا تداخل ولا غِيرة.. ولكنهم مُبتَلون بالشعور بالوحدة والحِيرة وافتقاد الدفء، والأفدح هو عدم توقع المساندة والدعم من أي أحد سواء قريب أو بعيد.

أما نحن فالتدخل والتداخل لدينا مبالغ فيه؛ فالموروث الديني والاجتماعي متشابك بحيث تتداخل دوائرنا، نحن نتدخل في معرفة الراتب، وأين نذهب؟ وهل حملت الزوجة أخيراً؟ وماذا نأكل؟ وماذا، وماذا؟ وكل هذا يُعبئ النفسية ويَنثر مادة للتحاسد والمقارنة ويبعث بُخار الحسد والنفسنة.

ثانيا: المنظور الديني الذي يعتمد على تفاوت الأرزاق والحظوظ، فنحن نكرر كثيراً الحديث عن الرزق والرِضى به؛ ونؤمن بعامل غيبي لتقسيمه، فنَحار بين إيماننا وبين نظرتنا إلى ما نَراه تفاوت في الأرزاق.. بينما الأوروبي يؤمن أن ما يصله هو أمر واقع، فيتعامل بواقعية كبيرة مقارنة بنا؛ فالمنظور الغيبي عندهم ليس قوياً، لإنهم لا يعتقدون في الحَسَد، ولا يتعاملون مع الله كأب يوزع على أولاده ثروته، بينما نحن نُكرر بألسنتنا “الحمد لله”، ولكن عندما يتفاوت الرزق المادي أو الدراسي للأولاد أو الوظيفي أو فرص الزواج؛ تَشب نيران مختلفة الدرجة في صُدورنا وتَختبر إيماننا وثَباتنا.. غالبا ما نُنكر تلك النيران، رغم أنها طاغية وتريد الانفلات، وهذه النيران هي التي تسبب القطيعة وتدير سيناريوهات الفِراق والنَفسنة والتحامل وعدم العفو.

المجتمع الأوربي مجتمع مختلف في عقده النفسية عنا، فلا توجد الحدود الدينية في العلاقة بين الرجل والمرأة، بالطبع لا أمدح عُرفهم في العلاقة بين الجنسين، ولكن هم بالفعل ليس لديهم عُقدة الزواج والإنجاب، حيث أنه ليس أساسياً عندهم، ومن لم ينجب يَقبل التبني بسهولة.

كما أن الفروق الطبقية في الغرب بين الناس قليلة، فلا تجد عندهم عقدة أن الطبيب لابد وأن يتزوج طبيبة أو مهندسة، بل تجد جامعية تتزوج سَباكاً، وفي نفس الوقت لا يشعر أي منهما بفجوة ثقافية أو اجتماعية بينهما، لأن هذه الدول لديها تعليم جَدّي يزيل الفوارق وليس شكلياً مثلما لدينا.

في قيادة حياتنا نحن العرب إشارات المرور الحمراء كثيرة جداً، بينما الغرب ليس لديهم كثيرٌ من تلك الإشارات الحمراء، إلا بمعدل معقول، لديهم إشارات حمراء قليلة لا تعيق الحياة ولا تكدرها، ولا تضطرهم لشد الفرامل كلما مروا فوق مطب اجتماعي صناعي أو لانتظار متكرر لإشارة ضوئية حمراء من الآخر.

حياتنا نحن العرب مثل من يسير بسيارته وسط المدينة، يواجه مطباً صناعياً كل عدة أمتار، ولهذا فلا سرعة ولا سهولة ولا إنجاز.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.