عاد في تابوت مكسور

عاد في تابوت مكسور

اللوحة: الفنان الألماني كاسبار ديفيد فريدريش

سليم الشيخلي

أيادي الضحايا ترتفع إليك أيتها السماء، تسألك الرحمة وكبح جماح هذا التنين الناري الذي زرع في كل بيت مأتماً، كربلاءات جديدة في منازل الفقراء. دائرة الحرب تتسع وتنتقل من الجبهة الطويلة إلى داخل كل فرد لنكتوي بأتونها. كانت الهراوة والجوع أقوى من براكين الغضب المتجمع عند الحلقوم فبدأنا نلوك معزوفة الصمت بصمت.

كان حسين يتقاطع أفقياً مع سعد كل ثلاثة أشهر في زيارة تمتد إلى عشرين يوماً بعض الأحيان يحبس نفسه داخل المنزل وأكثر الأوقات داخل غرفته مع زوجته وطفله الجديد “أمين” وسميرة بنت السنتين تحاول صعود عشتار مبرراً ذلك بأنه يجد الحرب في كل مكان وإن تعددت أشكالها، حرب الخبز،لعنة اللا رحمة في رد الفعل والموت الجماعي دون هدف

مع الحرب وأهوالها يولد أطفال جدد يخربشون على الجدران، يملؤون باحة البيت ضجيجاً وردياً يمدني بالسعادة. الرمادي يبزغ بين خصلات شعري،إيه أم حسين للعمر اشكاله وألوانه، الا يكفيني ما مر من سنوات وهذا الجسد حافظة روحي رأي ما ملأ كل لحظة مرت به. أي ضرار أن يجيء الرماديويحفر بإزميل فنان أخاديداً بأي مكان على هذا الجسد.

 تزوج سعد بعد زيارة قال إنها ستطول لمدة شهرين لأنه سيتابع بعض أعمال الآمر وشراء مواد بناء لبيته الجديد. أخبرني أنه بعيد عن خطوط الجبهة وبالضبط في مقر قيادة الفيلق. وأنه رأى السيد الرئيس حين زار الفيلق. جاءت قبله مجموعة خاصة فتشت مقر الفيلق بشكل دقيق ثم تمركزوا فيمواقع مرسومة لهم دون حراك يشرفون على المقر كلية. لم يسمح لأي فرد بدخول المكان. كان الآمر في حالة توتر شديدة حتى أن أوامره إلى مساعده شابها السباب بعض الأحيان. بعد نصف ساعة حطت طائرة هيلوكوبتر ونزل منها، مهيباً في قامته، صارماً في نظراته كأن الأرض تميد بين قدميه. وقف ينظر نحو البعيد حيث نسمع فتات الدوي ونرى وميض القصف. كنا في وضع استعداد وصمت قاتل، استدار إلى الخلف وسار برفق نحو غرفة الاجتماع يتبعه مرافقون أشداء. ظل الآمر ومساعدوه في الغرفة ليستقبلوه هناك. كانت معركة النهر الكبير على أشدها، الضحايا تتساقط فوق الضحايا،تلال من اللحم البشري، محرقة للمهاجمين والمدافعين، كوكتيل من اللحم والتراب، العظام المتكسرة والملابس الممزقة، وجوه بلا ملامح أحرقتها آلة الحرب مغطاة بأكوام من الحقد. بعد رحيله السريع المفاجئ اختفى عدد من الضباط، اعتقل آخرون وأعدم قسم منهم ووضعوا في توابيت كتب عليها من عدة جوانب كلمة ” جبان” وأرسلوا إلى ذويهم دون إقامة شعيرة وداع أو عزاء بعد أن دفعوا ثمن الطلقات التي أزهقت أرواحهم.

 يرحل سعد بعد انتهاء مهمته ويأخذ شيئاً من فرحي ليأتي بعده بخمسة أشهر حسين في تابوت خشبي مكسور من أحد جوانبه ملفوف بالعلم العراقيالبائس. سحبتني قوة غريبة فأزحت العلم جانباً، فتحت غطاء التابوت وهويت على الجثة أشمها وأملأ رئتي برائحة التراب فيها، أنقش عليها الوداع الأخير، ظل هادئاً في موته كما هو في حياته. كانت بقايا كلمات لا يمكن حل طلاسمها جافة على شفتيه. في نفس الليلة غادرنا به إلى النجف ليدفن هناك. كنت أتمنى أن يدفن قرب أبيه لكن كثرة الموتى حال دون ذلك وضاع الاثنان في زحمة القبور الجديدة. عادت بنا السيارة فجراً فوجدت البيت مليئاًبالعباءات السوداء لتبدأ مراسم فقء دمامل الحزن. لم أدخر دموعاً للأيام القادمة فلقد بكيت كثيراً ولطمت صدري لدرجة الاحمرار ثم الأزرق المشقوق مثل شروخ في جدار عتيق. أية جريمة ارتكبت لتكافئني الثورات بأتربة الحزن المنهمرة وأي خجل يغطي وجه الأرض لتبدو بهذه الكآبة. انتهى كل شيء، ها هو ذا سندي يرقد تحت الأرض التي لم تعد مقدسة برحيله. في أسبوع العزاء تقاطر الأقارب والجيران وأخريات لم أعرفهن، كن يبكين بحرقة ويلطمن خدودهن وصدورهن لا حزناً على ضحاياهن الذين رحلوا بل على أنفسهن مما حدث وما سيحدث. انقضى أسبوع العزاء، أسبوع التفنن فيتعذيب النفس والجسد وجلد الذات، نثر التراب على الرؤوس، تمزيق الملابس إلى حد التعري وضرب أية بقعة من الجسد تصل إليها اليدان. أي بربرية نعاقب فيها كياناتنا التي بدأت تفقد قدسية خلقها وتنزع آمالها كملابس وسخة.

 رحل حسين وترك طفلين لكن الحرب لم ترحل بعد، بقيت كالهواء، دخلت في كسرات الخبز التي نأكلها،  جرعات الماء التي نشربها ونغسل بها وجوهنا. جعل اليأس والملل من الحياة الكثير من الناس لا يكترثون لأي حدث أو بيان تصنعه أجهزة الدولة. اعتدنا على الحرب وأصبحت جزءاً من حياتنا اليومية تحركنا أنى شاءت، ألفناها بكل احتمالاتها ونتائجها المتعاكسة مع أقاصيص العائدين من الجبهة. لو تجمعت كل آلهة الحرب العتيقة فيأساطير هذا العالم لما استطاعت أن تصمد أمام رشقة غاز الخردل. وأنتم أيها المغلوبون على أمركم، المخدرون حتى النخاع بفتات المكرمات التي يلقيها إليكم قائدكم المهووس بالعظمة إلى أين تسيرون؟ قطعة أرض؟، سيارة؟، نياشين تعلق على صدور الذئاب بمناسبة أو دون مناسبة؟، تكريم منطقة جائعة للخبز والأمان بجدارية كبيرة تحمل صورته؟ أي شرر يتفجر داخل هذا البركان؟ ألم تسمعوا ما حدث لمدينة حلبجه العراقية؟ المدينة النائمة بين الجبال الكردية الحبيبة بناسها المسالمين وكيف أن قنبلة كيمياوية لم تترك خلفها إلا جثثا مرمية في الأزقة،  قرب الشباك ولحقتهم إلى البساتين القريبة. سيظل المغزل في يد عجوز كردية يدور ولن ينزعه من يدها أولئك الذين ودعوها عند بوابات القبر. إيه أبا حسين: ماذا ستقول لو كنت حياً عن الثورة الذئبة التي أكلت أحلام الناس. وعن بشر نسوا حقوقهم وهتفوا لمكرمات وهم يعرفون أنهم ينحدرون بسرعة

بعد اليوم السابع جاءني الصغار وأمهم وجلسوا قبالتي فأحسست أن عالماً جديداً يحتاج إلى ما تبقى لي من قوة. المدينة تنهض بأقدامها الخشبية توزع على بيوت الفقراء ما تملك من دموع بصمت أمومي والسماء تخبئ ألمها لتبدو حبلى فاتها المخاض.


هناك يتساقط البشر كأوراق الخريف

رأي واحد على “عاد في تابوت مكسور

  1. * بعد كلّ حرب.. يخلق جيلٌ جديدٌ، يخربش على الحيطان، بمداد الدّم والوجع، كوكتيلٌ سحريٌ مجبولٌ من التراب واللّحم..
    ليت بني الانسان يدركون قيمة الإنسان.
    نصٌ واقعيّ، موجعٌ أستاذي الاريب.

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.