اللوحة: الفنان السعودي فهد خليف
سليم الشيخلي

توقفت السيارة قرب مسجد مدينة صغيرة تنام على جانبي الطريق العام. همسات الفجر أنفاس تنقلها الريح الباردة فتصفع الأذنين. نزل بعض الركاب لتناول فطورهم في المقهى المجاور، دخل بعضهم المسجد وبقيت جالسة مكاني الذي بدأ يبرد قليلاً. أخرجت من كيس صغير قطعة خبز وبيضة مسلوقة وأشياء أخرى وبدأت ألوك بصمت ومن دون شهية. بدت المدينة وكأنها لا تنام، المحلات تنتظر الهاربين من العراق وتقدم لهم الطعام لقاء دراهم قليلة. مازالت أضواء الليل تنير المسجد، الفرن، المطاعم وعدداً من البقالات. نزلت من السيارة وشربت بلذة كوباً من الشاي الذي لم أذقه منذ يومين. لحظات ويهتك صوت منبه السيارة أسرار الفجر داعياً الركاب إلى الاستعداد، ركضنا نحوها وأخذنا مقاعدنا من جديد، وبدأ هدير الحافلة معلناً حركتنا نحو عمان، ينمو الدفء بطلوع الصباح وعمان تقترب كل لحظة.
عمان أيتها المدينة الغريبة كوني رحيمة بالجثة المتحركة القادمة إليك والباحثة عن لقمة خبز. أنا سفينة تكسرت صواريها في خضم بحر حياتنا الهائج فهربت تستنجد بمرفئك الآمن. لنكن أصدقاء يا عمان، وطني قتل زوجي، ولدي البكر، وأضاع من أمام ناظري سعد ليتيه في شوارع مظلمة، قرصنيبالجوع، طردني من دفء البيت وهديل الصغار.
سجن سعد لمدة شهر لتشاجره مع أحد الضباط. كانت مرافقته لقائد الفيلق قد أصابته بالغرور الأرعن، ولم تشفع توسلاته وخدماته فنقل إلى مكان قريب من الموت، ما زال يزورنا في أوقات متباعدة، يلعب مع أولاد أخيه، يخرج مع زوجته التي لم تنجب حتى الآن ويعود مساء، يساعدني ببعض من النقود ويمسح عني بعض التعب.
كبر بيت هدى وكبر حجم زوجها في الحزب والوظيفة التي لا يداوم عليها رغم أن راتبه لم يكن يتعدى مائة وخمسين ديناراً فقط. هكذا تسير الحياة. الناس درجات وفضل بعض على بعض بالدرجة الحزبية. أصبح عمله الجديد في منطقته اصطياد الأبرياء وإرسالهم مقاتلين في الجبهة وعاجزين إلى الجيش الشعبي دون مراعاة للظروف الإنسانية. ما دامت هدى مستورة فالحمد لله، كانت تزورني في أوقات متباعدة وكانت تظهر لزوجتي أخويها،للأطفال ولي بتحد أنها من مستوى آخر. في آخر زيارة رأيت على صدرها نوط شجاعة من تلك التي توزع للمتزمتين في خدمة النظام. ترى ما فعلتلتستحق هذا التكريم. انفتح شباك من الذاكرة التي حسبت انها خرساء لأطل على مديرة مدرسة هدى واتحاد نساء العراق فرع مدينة الثورة، فأحسست أن نصلاً حاداً يجرح أماكن في القلب لم تطأها عاصفة بعد فيكومها خرائب جديدة. حاولت إفهامها بأنها كانت غصناً من هذه الشجرة وأن لعبها مرسوم على جذع عشتار ونمت طفولتها مع النسغ الصاعد لكنها لم تتخل عن طاووسيتها وتلذذها في مقارنة أولادها بأولاد أخيها بلدغات تجرح كبرياءنا. كتمت غيظي ولم أعاتبها خوف أن تتطاول وتنسف آخر جسر مودة فتجرح أمومتي إلى الأبد، قللت من زياراتي لها وتعمدت أن لا آخذ أطفال حسين معي، قالت لي عيناها في آخر زيارة إن الدرب طويل وهذا يعني أن حلماً لابد من أن يحترق داخلي.
– الدرب لا يحتمل، عذاب وبهدلة تمتد لساعتين كي أصل إليكم. لقد وعدتنا المنظمة الحزبية بسيارة آخر موديل ولم نتسلمها حتى الان.
وصدق حدسي، سنة ونصف معها ثلاثة أعياد لم تزرنا ولم أسمع عنها أي خبر، إلاّ ذاك اليوم الذي جاءت به مصفرة الوجه كئيبة المظهر ورمت رأسها على كتفي وراحت في نشيج. ربما كانت نادمة أنها تعالت على أهلها! بيتها القديم وصديقتها عشتار! شلال من الدموع يغسل أواني صدئة. أخذتها إلى صدري أشم رائحة طفولتها وتواريخ تبتعد، ولأفتح شباكاً من نور قلت لها.
– ما بك يا ابنتي؟
– زوجي.
– ما به؟
– ضرب برصاصة حطمت ركبته واحترقت السيارة الجديدة. واستمرت في البكاء.
– من ضربه؟
– حاقد، لئيم، شيوعي لا نعرف من هو. أرسل له رسالة قبل فترة بدون توقيع يهدده فيها أن يتوقف عن تجنيد الناس في الجيش الشعبي، يريده أنيتخلى عن دوره الوطني في معركتنا المقدسة ضد العدو الفارسي المجوسي.
تلألأ نوط الشجاعة المثبت على نهدها المندفع نحو حياتهم فأزهدني بالحياة، لكنني تجرعت مرارتها وقلت.
– وكيف هو الآن؟
– لقد بتروا ساقه اليسرى. وبدأت بالنشيج.
لقد بتروا حياة زوجي وولدي، وقد يكون سعد حطب نار الحرب قد رحل هو الآخر، قطعوا قلبي فلم تبق منه إلا ماكينة تضخ الدم وقطعة صغيرة أحب بها الحياة. لن أتشفى بزوجك يا هدى ولا بقدمه التي ذهبت قبله إلى جهنم بل أبكي معك الذين رحلوا وتركوا لوعة في القلب وكدمات زرقاء في الروح مختبئة خلف ستائر الذاكرة.
بعد يومين حملت جسدي الذي ما زال يئن من بقايا أنفلونزا وبدأت رحلة طويلة لأصل إليهم بأقل تكلفة تساعدني في شراء كيس من البرتقال.
– الحمد لله على سلامتك يا ولدي، الحمد لله أن الطلقة لم تصعد إلى الأعلى فتيتم أطفالك، ستبقى بعون الله خيمتهم الكبيرة.
تمتم بكلمات سريعة لم أفهم منها شيئاً سوى أنه ما زال مستمراً بنهج حياته بتلك العنجهية القديمة، كأن الحرب والموت لم تنظفا أعماقه وتضيئا زواياها، رفع رأسه إلى الأمام وبدأ حديثه بنفس أسلوب الرفاق المتعجرفين.
– والله لو أمسكته لعلقته بباب بيته خمسة أيام حتى يشم الجميع رائحة عفنه النتنة ولفجرت البيت بعد ذلك بالآر بي جي.
– وهل عرفته؟
– لا. ابن الزنا اختار مكاناً مظلماً استطاع منه الهرب بسهولة. أعتقد أن جماعة في سيارة كانت تنتظره. ضرب عن قرب، فررت لأنجو بنفسي فرفعغطاء السيارة وأشعلها، دنت منه سيارة حملته وفروا.
– ألم تميز أحدا؟
– لم أستطع وعندما شبت النار وأسفر المكان كانوا قد ابتعدوا.
– خليها على الله. سينتقم لك منهم جميعاً.
غضب، أرعد، أزبد. وجدت نفسي محصورة في قفص صغير أتفرج من بين قضبانه على دب كبير يترنح تحت مصيدة انتقام متقنة، بعد أن هدأ فتحت باب القفص وخرجت بعد وداع عادي وسريع. وفي الطريق رنت في أذني أغنية بغدادية قديمة “أريد الله يبين حوبتي بيهم“. كم شاب لم تتفتح أزهاره بعد وأشيب مسؤول عن إعالة أسرة أو أكثر ألقيت القبض عليهم ودفعتهم لأتون الحرب المجنونة. طوابير من الصغار يؤشرون بأناملهم عليك وعلى أمثالك صارخين “هؤلاء قتلة آبائنا وليس ما تسمونه بالعدو الفارسي المجوسي“.
هذا ماأعرفه عنك ياسليم الشيخلي، صدق الواقعية الرصينة واللغة التعبيرية التي تمزج قسوة الواقع بالبوح الذاتي، فينبع منها نهران القسوة والادانة، قسوة الحرب وادانة الانسان البسيط المهمش لها، لانه يدرك انه سيكون اول ضحاياها . غيمتكافئ
إعجابإعجاب