معركة الجوع في غزة

معركة الجوع في غزة

مي علي

اللوحة: كاريكاتير للفنان السوري علاء رستم

كُلُّ شيءٍ يُهزم إذا ما دخل معركةً مع الجوع، الحضارة والثقافة والكرامة وغيرها الكثير تتقهقر في حربها مع الجوع. هذه قناعة جديدة تشكلت لدي مؤخرا بعد بدء هذه الحرب وما تبعها من شح الموارد والغذاء بشكل كبير ومتسارع، لا يزداد ويتغير رصيد قناعات الإنسان في الحروب وحسب، وإنما ترتفع حصيلة معلوماته عن طرق وحيل البقاء على قيد الحياة، بعض هذه المعلومات تافه جدا في فترات السِّلم وبعضها أتفه، لكنها معلومات وحيل قيّمة جدا خلال الحروب.

الخبز الخامر (الرغيف الشهي ذو الطبقتين) هو خيار الطبقة الأكثر حظا ورفاهية، تلك التي تستطيع باستمرار شراء الفحم، فهذا النوع من الخبز يحتاج إلى نار هادئة ليخرج بالقوام والشكل الرائع، وهذه النار لا تتوفر غالبا إلا من خلال الفحم الذي يعتبر وقودا باهظا وشحيحا.

خبز الصاج والخبز العراقي (كنا ندعوه الخبز الإيراني حين كنا في الكويت، ولم يتسن لي بعد التحقق من جنسيته)، هذان الصنفان من الخبز هما الأكثر شعبية وشيوعا الآن، حيث إنهما “كويسين ورخيصين وولاد ناس” من حيث النار اللازمة لتسويتهما، يكفيك أن تضع نظارة القراءة بعيدا على الرف الأعلى الأصعب وصولا، وتتجه إلى مكتبتك لتختار منها كتابا تقدمه قربانا للحصول على الخبز، تسلخ صفحات الكتاب صفحة تلو الصفحة، تقاوم التمعن في الكلمات والجمل فكما أخبرتك آنفا الكل ينهزم أمام الجوع، تطوي كل صفحة على شكل المروحة التي تعلمنا صنعها صغارا على سبيل اللهو، وتبدأ في إشعال الورقة ودسها أسفل بطن الصاج، تلك القطعة المعدنية المحدبة التي يُخبز فوقها خبز الصاج (لطالما راودتني الشكوك والمخاوف تجاه كل ما هو محدب).

أول الكتب التي تضحي بها هي الكتب الدراسية، كيف يمكنك أن تتمسك بكتب أبنائك المدرسية، وتحافظ عليها في الوقت الذي تقف فيه عاجزا عن حماية أبنائك والحفاظ على حياتهم أصلا، كتب المدرسة لا تلزم الآن. كل كتاب تقدمه قربانا سيوفر لك ما متوسطه 20 رغيفا، يختلف الأمر حسب حجم الكتاب وعدد صفحاته ونوعية الورق، المعلومات التي في الكتاب هي متغيرٌ معاملُ تأثيره يساوي صفر ولا قيمة له في هذا السياق. المجلات هي الوقود الأسوأ على الإطلاق، وكأنها تؤكد لك أن الفاشل فاشل في كل الجبهات (الهامل هامل في كل إشي)، ورقها المصقول اللامع – ذو المظهر والملمس الجذابين – سيئٌ جدا من حيث الاشتعال ناهيك عن آثاره السيئة على البيئة، وعلى رائحة الغسيل المنشور.

الكتب الأقدم هي الأفضل على الإطلاق من حيث الاشتعال بورقها الأصفر المقرمش القديم، حتى النار والخبز تواطؤوا ضدنا وضد تاريخنا وآثارنا!

وبعد هذه المعلومات التي لا قيمة لها، والتي أضفتُها إلى رصيد معلوماتك مقابل وقتك القيم الذي أهدرته في القراءة… تبقى المعلومة الأقيم والقناعة الأصلد أن لا شيء يصمد أمام الجوع.


عن «حكايا غزة»

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.