خالي البيه

خالي البيه

اللوحة: الفنان البولندي باول كوزنسكي

“هناك ملايين الدوافع القائدة المستترة خلف آراء الإنسان ومواقفه.. للأسف المنطق هو أضعف تلك العوامل وأقلها استخداما”.

يروي “منير شفيق” وهو أحد أقطاب الماركسية، أنه عندما كان في مستهل شبابه، بادره والده قائلا:

“ما رأيك في القانون الذي سوف يُقره الرأسماليون الأمريكيون؟ وعَرض عليه فِكرة القانون، فما كان من “منير شفيق” إلا أن انبرى للهجوم الرافض والمستنكر بشدة للقانون، وبعد أن فَرغ من سَرد حُجَجه ووصْفِه بأنه مَرض من أمْراض الرأسمالية الخَبيثة.. قال له والده: “حَسناً، وإذا علمت أن هذا القانون أقره الروس! فما رأيك؟” وأُسقط في يد “منير شفيق” وعَلِمَ أنه لم يهاجم القانون، لكنه اتخذ وضعية الهجوم بناءً على كلمة “الرأسمالية” ولو قيل له أن مصدر القانون الروس لدافع عنه، فتَعلم الحِيلة من أبيه الرجل الحكيم، وأدرك أن “المبدأ هو الأساس وليس الحزب أو التيار أو الأيديلوجية”.

عندما كان “منير شفيق” مسجوناُ لسنوات بالأردن مع أقرانه الماركسيين، وكانت روسيا من أشد المؤيدين للقضية الفلسطينية، وبالتالي من ألد أعداء إسرائيل، وكان الماركسيون يتفاخرون بنصرة الإتحاد السوفيتي للشعوب المظلومة، وخاصة قضية فلسطين العادلة.. ثم قام جاسوس “يهودي/أمريكي” هو وزوجته بتسريب سر القنبلة الذرية للسوفييت، وبهذا قاما بإنقاذ الإتحاد السوفيتي من خطر ضرب الولايات المتحدة الأمريكية لهم بالقنبلة الذرية، فالروس يعلمون أن ضرب هيروشيما وناجازاكي في اليابان كان رسالة مباشرة للروس؛ بأنهم الضحية التالية، فتغير موقف الإتحاد السوفيتي تماماً، وتَخلى عن مبدأه، بل وخذل كل أتباعه في العالم بموقفه الصادم.. فكان الإتحاد السوفيتي هو ثاني دولة في العالم تعترف بإسرائيل بعد أمريكا، فكان الإحباط والارتباك.. فما كان من زملاء “منير شفيق” من الماركسيين إلا أن تحولوا آلياً للدفاع عن موقف السوفييت، لكنه لم يسمح لنفسه بالتناقض، فتمسك بمبدأه وهاجم السوفييت وهو في سجنه، وكانت تلك البداية لتخليه عن الفكر الماركسي.

في مسلسل “هو وهي” لصلاح جاهين والذي بعنوان “خالي البيه”.. كان البيه شخصية مهمة، لعبت ابنة أخته وزوجها دوراً كبيراً في مساعدته في الحصول على عضوية مجلس الشعب، وقد نالت هي وزوجها حظوة ومكانة في البلدة نتيجة انتسابها لخالها البيه، وحين يصلها ما يدعو للفخر؛ تُطنطن بمآثر خالها أمام القرية، وعندما يصلها ما يُشين من الخال تَختبئ في بيتها من الناس، وعندما تضطر لمواجهتهم تبذل أقصى جهدها للتبرير وإضفاء المساحيق على وجه خالها القبيح.

وفي أحد الأيام تزور هي وزوجها خالها في القاهرة وقد حملت في حقيبتها طلبات كثيرة من الأهالي، فقابلهم الخال بوجه خَشبي وإهمال صريح ومهين.. ليعود الزوج والزوجة للبلدة ومعهما أوراق أهل القرية، وبدلا من فضح الخال الذي استغل الناس لمصلحته الشخصية؛ قاما بمدح الخال ووصف مشهد خيالي وزائف لاحتفائه بهما وتعهده بتولي مهمة الاستجابة لكل الطلبات التي تسلمها منهم.. واختار كلاهما عدم التضحية بشرف نسبتهما للخال التي تمنحهما مكانة في القرية.

وهكذا يتجسد لدينا مثالان في المجتمع: مثال “منير شفيق” الذي دار مع الحق حيثما يدور ولا يهمه الأشخاص والأيدلوجيات ولا المصالح والأهواء. ومثال “خالي البيه” الذي يدور مع المصلحة على حساب الحق.

أي المثالين أكثر شيوعا؟ وأيهما نادر كالعنقاء والخِل الوفي؟

ينتشر في معظم الإعلام العالمي نموذج خالي البيه، تُصدر الحكومات قراراً فيمدحونه ويُسوقون له، ثم تُصدر الحكومة عكس هذا القرار، فيتجلى النِفاق الخالص في تبريرهم ومدح نفس القرار الذي رفضوه وهاجموه بالأمس!

هذا العمل يحتاج مرونة نفسية عالية، ودرجة من النفاق لا يَقدر عليها إلا المتميزين من المنافقين، الذين يستطيعون مواجهة الجمهور بنفاقهم ووجوههم متماسكة وجريئة.

ومن الناس من يقبض على الجمر فينحاز للحق ويتحمل بنبل ثمن التمسك به، ولو نظرنا إلى السائد في عالمنا العربي، لوجدنا ان الدافع وراء كل موقف يستتر خلف الانحياز والعاطفة والعادة والعقد النفسية والإرث الطائفي.. ولهذا كلنا ننحاز لخالي البيه، ومع ذلك نصلي ونصوم وندافع عن ديننا بألسنتنا ونحن غير منصفين.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.