اللوحة: الفنان الأكراني إيفان إيفازوفسكي
وهيب نديم وهبة

القصيدة بصوت الإعلامية فادية نحاس
في ليلةٍ شتويةٍ ضبابية، ثارَ البحرُ وعانقَ السماءَ، واتّحدَ بينَ الثورةِ والحبِّ العميق، الذي يتوهّجُ في جهاتِ الروحِ، وتراءى لي صديقيَ المجنونُ قادمًا من عبابِ البحرِ، من بين الموجِ العنيفِ بعدَ غيبةٍ وطولِ انتظار، وهالةُ جالسةٌ تبحثُ عنهُ فوقَ رمالِ الشاطئِ المُمتدّ.
“ينتظرُ الْمجنونُ بجانبِ الْمقصفِ الْقديمِ
الْمتروكِ على الشّاطئِ…
يلعبُ بينَ أعمدةِ الْحديدِ الّتي بقيتْ واقفةً
بالرّغمِ منْ رياحِ الْبحرِ والزّمنِ”
قلْتُ: “إنّ كلَّ امرأةٍ يُمكنُها أنْ تكونَ سمكةً”
ضحكَ الْمجنونُ، وقالَ:
“ويُمكنُها أنْ تكونَ ملعقةَ السّمِّ في الْحنجرةِ.”
أشارَ بيدِهِ: “اسكتْ أنتَ! اصمتْ!”
قالَ وقدْ تعلّقَ بعمودِ الزّاويةِ:
“ويُمكنُها أنْ تكونَ زنبقةً، أوْ نخلةً،
أوْ شجرةً، أوْ حتّى نحلةً تلسعُ”
ضحكْتُ… أنتَ تثيرُ أعصابي،
همسْتُ… بينَ ذاتِي وخيالِي،
“منْ يضعُ امرأةً في راحةِ الْكفّيْنِ
ويقبضُ على الْعشقِ، يُغلقُ الْأصابعَ
على جمرةٍ”…
قفزَ الْمجنونُ منَ الْعمودِ الْعالي إلى الْأرضِ،
وهوَ يصرخُ: “هالة!”
“هالة”
دخلَتْ مثلَ الْأرنبِ الْبريِّ في ذاكرةِ الْمجنونِ،
وعاشَتْ في شرايينِ الدّمِ وركضَتْ في حقولِ الْقلبِ
الْواسعةِ الْبيادرِ…
جاءَتْ بعدَ جفافِ الْبحرِ،
وموتِ السّمكِ الْبحريِّ على ضفافِ الْيابسةِ…
حملَ الْمجنونُ عشقَ “هالة” على راحةِ الْيدينِ…
وفتحَ كلَّ الشّرايينِ والْأوردةِ، حتّى امتلأَ الْبحرُ بالْماءِ.
وعلى الشّاطئِ، الصّدفُ الْملوّنُ الْأزرقُ،
يضحكُ للْموجِ الْآتي بعدَ غيابٍ.
أطعمَ الْمجنونُ الْأسماكَ الميّتةّ كِسرةَ خبزٍ،
وبعضَ النّبيذِ، عادَتِ الْأسماكُ إلى الْبحرِ.
قفزَ الْأرنبُ الْبريُّ منْ ذاكرةِ الْمجنونِ
منتصرًا إلى حضنِ “هالة”،
إلى حضنِ الْبحرِ.
بكثيرٍ منَ الْحكمةِ يتركُ الْمجنونُ الْبحرَ…
ويدخلُ غرفةَ “هالة”،
يُغلقُ الْبابَ والنّافذةَ
وشيئًا يشبهُ السّتارةَ
ويُمارسُ الْجنونَ حتّى الصّباحِ…
يخرجُ الْمجنونُ باكرًا والْفرحُ يملأُ الْعينينِ.
والْيدانِ في الْهواءِ وصفّقَ، وهوَ يركضُ ويضحكُ،
ويقفزُ ويصرخُ ملءَ الطّريقِ ويلعبُ بالشّمسِ الْحارقةِ.
هلْ سقطتِ السّماءُ على الْأرضِ؟
هلْ انقرضَتِ الْبشريّةُ أقفلتِ الدّنيا وأعتمَتْ؟
هلْ تغيّرتْ… تبدّلتْ؟ أبدا…
كلُّ شيءٍ ما زالَ كما كانَ!
نفسُ الْمكانِ!
نفسُ الْمكانِ!
هزَّ رأسَهُ مرّةً، مرّتينِ، أينَ يمضي.
لماذا هذا الرّكضُ الْباكرُ للْإنسانِ
وكلُّ شيءٍ كانَ…
هزَّ رأسَهُ مرّةً أخرى. أينَ يمضي؟
وهذا السّباقُ الْعنيفُ.
كلُّ واحدٍ منهُم يُريدُ أنْ يأكلَ الدّنيا،
والدّنيا كما هيَ…
توقّفَ الْمجنونُ لحظةً، مبهورًا، مشدودًا
للشّمسِ الْخارجةِ للنّاسِ حارقةً تلسعُ.
والنّاسُ…
النّاسُ صفوفٌ، في عرضِ وطولِ السّوقِ.
وتلكَ الشَتائمُ (على الصّباحِ).
صباحُ الْخيرِ، يا سوقَ الحياةِ…
ودونَ أنْ يدريَ أوْ يدري؟
دكّانُ الدّرويشِ…
مفتوحُ الشّريانِ لشربِ الشّايِ
والْقهوةِ…
يأخذُ الْمجنونُ الكرسيَّ النّصفَ عمرٍ ويجلسُ…
لا يطلبُ شيئًا.
يجلسُ!
ثُمَّ يضحكُ… يضحكُ على الدّنيا.
وبكثيرٍ منَ الْحكمةِ يتركُ الْمكانَ…
ويركضُ إلى حضنِ “هالةَ”…
إلى حضنِ الْبحرِ.
“مسرحةُ القصيدةِ العربيةِ” الطبعةُ الأولى والثانيةُ بالعربيةِ عام – 1995-1996- والطبعةُ الثالثةُ في الرباعيةِ الكاملةِ التي صدرت عام 2013، وتضمُّ الكتابَ الأولَ “المجنونُ والبحرُ”، الكتابَ الثاني “خَطواتٌ فوقَ جسدِ الصحراء”، الكتابَ الثالث “مفاتيحُ السماءِ”، الكتابَ الرابعَ “الجنةُ”. الطبعةُ الرابعةُ، مترجمةٌ إلى اللغةِ العبرية عام 1997 – والخامسةُ، إلى الإنجليزيةِ عام 1998 – والسادسةُ إلى الفرنسيةِ عام 2000 – والسابعةُ، إلى الروسيةِ 2001 – وحلقاتٌ كاملةٌ باللغةِ الألمانيةِ من أجلِ مِهرجانِ دة فرانكفورت للكتابِ الدوليِ عام 2002. وهذه الطبعةُ الجديد عام 2022 بالعربية والإنجليزية.