هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان الهولندي توماس كوبيرا
صديقي…
رسالتي هذه.. سؤال واحد فقط لا غير؛ قل لي كيف اتخلص منه؟ كيف أتخلص من هذا الجلاد، فلو استطعت قتله لما ترددت، سمعت أنه مات منذ زمن أو قتل، لكن ربّما كان بألف روح ،أو بعدد البشر، ألم تسمع كم أحرق ودمّر؟ ألم تسمع كم أشعل وألهب؟
ألم تسمع كم نكس وذلّ؟ ألم تعرف كم تكبّر وتجبّر؟ هل عرفته ذو الاشكال المتعددة؟ والأسماء الكثيرة..
وكلما تبدّل شكله أو أسمه، فإن فعله المدمر يتبدّل بالاسم. من الصاعقة إلى الزلزال والفالق. ومن المصيبة إلى الفاجعة، وكثيرةٌ هي الويلات التي يحدثها.. ولا أحد يحرك ساكناً، وهو يصول ويجول في قلوب العاشقين، وفي صدر كلّ أم تعبت من الغياب، وفي لواعج كلّ بعيد عن الوطن، وفي وجدان كل من فارق وليفه، وفي.. وفي..
وكثيرة هي الأشياء المؤلمة التي يحدثُها، الآن سؤالي هو طلب.. قل لي كيف أستطيع قتله والتخلص منه ذاك الذي يسمونه الحب؟
***
في هذه الرسالة سأنقل إليك خبراً.. خبراً ربما تكون قد عرفته مثل غيرك ولم تقل لي، وربما لم تعرف.. الخبر انه مات، مات وحيدا، يا إلهي لم اصدق! كيف مات؟ ومنذ متى؟ الكل يعرف الا انا! لقد مات حقا. لكن لم يبكه أحد، لم يشيعه أحد، والآن أبكيه وحدي مشيعة. ليتني عَرفتْ من قبل لكنتُ بكيتهُ من وقتها الى الآن، الى الآبد، على مر الزمان. عندما يموت أحدهم يتسابقون للدفن. فكما يقولون: إكرام الميت دفنه، وكأنهم يتسابقون لإخفاء الشيء الذي بقي وحيداً يذكر به. ثم يتسابقون في البكاء والعزاء والقهوة المرة والضيافة وذبح القرابين، متذكرين حسنات الميت ومتناسين سيئاته، ثم مع مرور الوقت يصبح مُنزها وبلا سيئات. اما هو فقد مات وحيدا بلا مشيعين، ناسين حسناته ذاكرين سيئاته. فقط.. وحدي أبكيه مشيعة، لأني لا أحس بالحياة من دونه، ربّما أنت لو عَرفتْ أن الحب مات لكنت بكيته أكثر مني ولكنت شيعته معي.