كوميديا الحرب وتراجيديا السلام

كوميديا الحرب وتراجيديا السلام

اللوحة: الفنان الروسي قسطنطين كوروفين

سليم الشيخلي

غادرت أمي قلعة الحزن لتلحق بوالدي وتنهي ببساطة أسطورة الأحياء الموتى في صباح ساكن ملغوم بالبيانات العسكرية. أخذتها سيارة واحدة إلى مقابر النجف، ونزلت قبرها بردائها الأبيض بعيدا عن قبر أمين. في آخر زيارة لها أوصتني بالأولاد وعشتار. تمنت لو أنها تستطيع أن تفك الخط لكتبت أشياء دفينة ضاقت في صدرها، وهمست بأنها ستأخذها معها عند الرحيل وتفردها بين يدي السماء.

– ستنقص أشياء كثيرة.. أهونها الطعام وأصعبها أن تموت “لا” في داخلنا بعد أن نفقد كل ما نملك من أمن وكرامة، أنسيت أيام الطوفان وكيف كانت الجماهير تقاوم بمظاهرات وإضرابات تشل فم الحكومة. ماذا حدث للناس؟ أي شيطان دخل بينهم فصنع من أكثرهم دمى متحركة؟

دائرة الأيام تدور وتطحن الرماد الذي بقي منا لنصبح قيمة منسية في ذاكرة ثقوب سوداء أخذت شكل الحرب. وكمستحيل تتوقف الحرب. يقف الناس مشدوهين في لحظة من زمن مستحيل، لو رأوا طائر العنقاء لصدقوا، لكن أن تقف الحرب فتلك أم المعجزات. فجأة أذهلت الناس الذين ما زالوا يلعقون جراحاتها ويشمون رائحة أجسادهم المكوية بنارها. الشوارع التي كانت تبدو مقفرةً ومظلمة تضاء فجأة لتحتضن قيء الجماهير المنفعلة بقدوم السلام. ولكل شيخ طريقته في التعبير التلقائي لردة فعلة، بكاء لحد التشنج، رشق الماء على المارة، إشعال نيران والرقص حولها، تمزيق الملابس حد التعريلإيفاء نذر جاهلي عند قبور أحد الأولياء. بغداد غابة لحيوانات جارحة وعصافير أليفة لا تجرح خداً، لن تنام هذه الليلة. القائد الضرورة بعباءته العربيةيخرج بسيارته يشارك الناس جنونهم بالنصر الأعرج

وقفت عند ناصية الشارع أتفرج على صندوق الدنيا. شيء جديد من سلوك لم يحمل اسماً بعد، حدث لم يألفوه. إنه السلام صديق الشعوب الذي ابتعد عنا ثمانية أعوام ساخنة.

جاء حسين وشهداء آخرون ضحية هذه الحرب المجنونة التي لم ينالوا فيها شرف الشهادة، ورحلوا جميعاً مهزومين ووقفوا إلى جانبي وفي عيونهم مشروع دموع، بكيت معهم وأنا أشاهد كوميديا الحرب أو بالأحرى تراجيديا السلام. إحساس بالحزن والألم للسنوات التي ضاعت، الأموال التي حولت إلى أسلحة لتحترق وللأبرياء ضحية نزوات وعناد فرد صدق أنه القائد الضرورة وأنه امتداد لصلاح الدين، خالد بن الوليد ثم لم يناسبه ذلك فلصق اسمه بسلالة الرسول (ص) دون خوف أو وجل.

 مرت فتيات بعمر الزهور يرقصن في حلبة صغيرة على أنغام جنوبية فطافت في رأسي أغنية تهز الجدران العتيقة “أريد الله يبين حوبتي بيهم، أريد الله على الفركه يجازيهم“.

كم أماً مثلي، زوجة أو طفلة في إيران يقفن الآن يبكين قتلاهن؟ في حرب لم يحتجها أحد أبداً وكانوا الرقم المستباح في معادلاتها، لقد ذبحنا جميعاًباسمك أيها الإسلام العظيم عدة مرات بسكاكين مثلومة. بعد أسبوع من الهرج الغجري المجنون عادت الأمور تهدأ من جديد لتلتحم مع أيام ما قبل الحرب وبينها يقف شامخاً ذلك الجرح الكبير لثماني سنوات من الهلع الذي غير النفوس كثيراً وأصاب الوطن بالإعاقة. شباب يقتحمون الحياة الجديدة على عكازتين أو يد مقطوعة، أجساد ربيعية تشوهها شظايا هنا وهناك، نياشين تذكرهم بالثماني العجاف. امتلأت بغداد بجيش من العاطلين الذين عادوا من الجبهة ليجدوا أن اليد العاملة العربية المصرية نابت عنهم طيلة سنوات الحرب، مما زاد من حرق مشاعرهم وإتلاف شبابهم أن فرص العمل قليلة والجوع نبي الكفار فتشابكت الأيادي في حرب الخبز في الشوارع العامة والمقاهي وأماكن تجمع العمال.

تدب الحياة في شرايين بغداد من جديد، تنهض كطائر الفينيق من تحت الرماد، أنوار دجلة تتلألأ من جديد ثياباً على أمواجه الهادئة، نيران خشب البلوط تشتعل بجمراتها الضاحكة من جديد تشوى أسماك النهر على أنغام أم كلثوم، ناظم الغزالي، عوائل تنتشر هنا وهناك، عشاق يملؤون المصاطب تحت الأشجار الباسقة رغم الجراحات التي لم تلتئم بعد، دماء السلام تجري في عروق الوطن الذي يتشافى ببطء، عادت همسات البسمة تعرف طريقها فيوجوه الناس رغم وعورة الطريق الذي مشت به. عندما يطرق الربيع النوافذ ينسى الناس قسوة الشتاء ووجهه المكفهر. المحلات تزهو بالبضائع،الشوارع بالسيارات، الناس وضفة النهر بالعشاق والسكارى، الأطفال يلعبون ويعودون متسخي الثياب وزبد الفرح يملأُ أشداقهم التي تسيل منها البراءة. الزهور تتفتح في نيسان لكنها بدأت بالتأخر منذ سنوات.

سكن سعد وزوجته التي بدأت تعالج نفسها بالأدوية بسبب تأخر الحمل في الطابق العلوي ونزلت زوجة حسين وأولادها إلى الطابق الأرضي. كان يداًرقيقة ساعدتني في إدارة البقالة وتحمل أعباء البيت، وساعد الكثير من أبناء المنطقة فأحبوه وهابوه لكونه في الحرس الجمهوري، كما أوهم البعض أنه رجل المهمات الصعبة. سعد جداري الأخير والخيمة الكبيرة لي ولأطفال حسين وذكرى الراحلين وللقادم الذي نتمنى أن يتحرك في أحشاء زوجته. ظلت زوجتا حسين وسعد عوناً في شؤون المنزل وإعفائي من أي التزام لإدارة البقالة وتسيير حياتنا المادية.


الخروج إلى عمان

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.