مطر

مطر

مؤمن زكارنة

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار

مطر

البحر خلف المقهى ليس ماءً

إنّما بكاء

يا زمن الحياة الذي يمضي خلفنا

لماذا تمشي بحاضرنا

وتُخرج من حقائبكَ الكبيرة

أطلال ذكرى وبكاء

كثيرٌ هذا الماضي على حياة

كثيرٌ هذا الموت على سماء

وعلى بشر لم يفعلوا شيئًا لكي يموتوا

ولم يحلموا سوى أن يستيقظوا سالمين

دون رصاص أو شظايا بالذّاكرة

يا ماضي الحياة تركنا أحبّتنا فيك سالمين

ومشينا إلى غدنا ولم ترانا المجزرة

فعُد لحاضرنا لنعرف أكثر

كيف عاش من نحب لحظاته السعيدة قبل أن يرحل؟

هل ندى دهشان بكامل ورود روحها

تنبّأت برحيلها عن عشبها وزهورها

وهي تتأملُ البحر الذي ينام خلف المقهى

وتتأمل الشّمس وريح الموج الذي يغنّي

هل تنبّأت برحيلها عنه؟

ودّعت زهور الحي وعشبة ندى

والبحر بكى

بكت الصّديقات

والفراشات بقيت وحدها

وهذا البحر ليس ماءً

إنّما بكاء الأحبة

وللماضي الذي يعيش فيك وصار أنت

ولكلّ ماضٍ يقرأ هذا المطر: تذكّروا ما يلي

لو رأيتم عُشبًا لو رأيتم وردًا

لو رأيتم أفقًا تذكّروا ندى دهشان

فالموت يموتُ أمام ذكرى ويهزم

ولو رأيتم الحياة تذكروا أريج مشتهى؛

حبيبة البحر حبيبة المطر

حبيبة الحياة التي خانها الموت وأخذ ‘أريج’ منها

ومن يومها تبكي الغيوم ويرثيها المطر

وقصيدتي مطر يهطل حروفًا تبكي

مطر يبلل مُحبًّا لم يودع محبوبه تحت الركام

ورآه بين ركام قصيدتي يمشي

قصيدتي مطر وأنا بين الضباب خجِلٌ من نجاتي

تذكّروا الحياة فأين ما وجدتموها تجدون أريج مشتهى

واحملوا عنّي القصائد كي لا تموت

وتذكّروا ما يلي: لو رأيتم قصيدة تذكروا هبة أبو ندى

تذكروا القصيدة التي تسمى هبة

وهبة التي تسمى قصيدة

من احتاجها تراب الأرض المُتعب من جفاف البلاغة

وفرش لها ترابًا تحت ترابه

لتنبت شجرًا أملًا قصائد ولغة

والعنوا الطائرات كثيرًا

والعنوا القذائف التي أصابت اللغة

من سماء غزة رمت الطائرات موتًا

أُصيبت اللغة في غارة

اغتيل حرف عربي قُتل عمل شعريّ

نقصت الأبجدية حرفًا

بحث الشعراء والكتاب والأدباء

بين الأنقاض فوجدوا رفعت

يا معلّم الشعب يا رفعت يا قلم الحروب والدّروب

أنت الذي تقول: “فليأتِ موتي بالأمل”

قلمي فداك فانهض وعلّم شعبك الأمل

وأنت الذي تقول: “إذا متُّ فلتبقَ أنت وتروي حكايتي”

أيّ حكاية تلامس السحاب

أيّ قلم يلامس برجًا عاليًا مثلك

فانهض يا صاحبي من موتك

لتعلّم شاعرًا أو تائهًا كيف يحوّل المطر لقصيدة أو رصاص

مات الموت يا رفعت وأمام صوتك غاب الغياب

رحل الضّباب وبقيتَ واضحًا كالشمس

هزمَتك يا موت آثار الأحبة

هزمتك الذّكريات الحُب والشعر الصوت والأثر

أمام كل الرّاحلين الذين نحبهم يموت الموت

والموت: نسيان الأحبة

وإذا نسيناهم فقط يموتوا

فاحفظوا في قلوبكم أحبابكم

واحرسوهم جيّدًا كي لا يموتوا


عن «حكايا غزة»

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.