الهويات الانشطارية

الهويات الانشطارية

اللوحة: الفنانة العراقية سعاد هندي

يقاس نجاح وتماسك الدولة الحديثة؛ بقدرتها على إذابة الهويات الطائفية والقبلية والعرقية فيها، يحكي المؤرخ “عبد الرحمن الرافعي” أنَّ “محمد علي” بعد أن قام بمذبحة المماليك التي قضى بها على القوة العسكرية المنافسة، وبعد أن تخلص من “عمر مكرم” شيخ الأزهر وقائد الثورة الشعبية على الفرنسيين، قرر نزع الأسلحة من الأفراد في مصر، لم يكن التطبيق سهلا، فالقبائل والعرب البدو كانوا القوة الحقيقية، ويعتبر السلاح شرفا وكرامة شخصية لحامله، ولهذا كانت المقاومة شديدة، لكن في النهاية نجحت الدولة في بسط سيطرتها ونزع الأسلحة من دلتا مصر، ومن أجزاء كبيرة من الصعيد وخاصة المدن والقرى، وبهذا تحقق أول شروط الدولة الحديثة وهو “إحتكار الدولة للعنف”، وهذا الشرط له إيجابياته وسلبياته، لأنه يُخضع الكل للسلطة المدنية ولكن لا بد من أن يوازنها نظام سياسي قادر على تقييد تلك السلطة ومحاسبتها. 

ثم كانت المدن من أهم البيئات الحاضنة للدولة المدنية، يهاجر إليها القرويون، وتتكون الأسر الفردية المحدودة التأثير، فتضعف الرابطة بين الأسر وأصلها في القبيلة أو العائلة الكبرى، ويصبح تدريجيا الولاء والخضوع للدولة أقوى، وتستقر في اللسان والخاطر والعرف؛ كلمة “الدولة” مكان القبيلة أو الطائفة.

تكوين الدولة يحتاج خطوات ووقت ولكن الإنهيار يكون سريعا، وأسرع طريقة هي انحسار الولاء عن الدولة إلى الهويات الأولى، وسيكون الإنهيار أسرع حين تتكون هويات انشطارية جديدة تنتشر كالسرطان في المجتمع.

خرج الإستعمار من مصر وحكمها أبناءها، وكان من المتوقع النجاح الكبير، في العهد الناصري نجحت الدولة في إذابة الشعب في الدولة الوطنية، يرجع الفضل إلى الجهاز الإعلامي “راديو وتليفزيون” الذي نشر الأهداف الوطنية، ولقنهم المبادئ والأحلام.. “العروبة، تحرير فلسطين، الأخذ بالعلم، كرامة الإنسان، المبادئ الإشتراكية، العدالة الإجتماعية، الصناعات الوطنية.. الخ”.

وطالما الأحلام مازالت ساخنة، فلا يهم، تظل الشعوب ملتفة حول الدولة المدنية كراية جامعة، تذوب تحتها كل الهويات، مهما كانت المصاعب والأخطاء والهزائم الفادحة، فظلت الهوية المصرية والعربية تظلل الكل، ولم يكن هناك صوت نشاز يذكر فروقا بين المسلمين والمسيحيين.

في كتاب جلال أمين؛ “ماذا علمتني الحياة”، قام بنقد “ناصر” بقوة، ثم عرج على عصر “السادات”، فكانت المفاجأة أنه اعتبر أخطاء ناصر صغيرة مقارنة بخطايا عصر “السادات”، الذي أصدر قراران تحت ظروف محلية وعالمية تؤثر على نسيج وهوية الشعب، الأول: تقديم نفسه كرئيس للمسلمين، وتلى ذلك أحداث أشعرت المسيحيين بتهديد لهويتهم الدينية، فأصبحت مصر ساحة صراع بين الأديان والأيدلوجيات، وقامت كل طائفة بالإرتداد إلى الخلف، لتتحسس طائفتها، وبالتالي تنسلخ أو تتخفف من هوية الوطن الجامع.

الثاني: تمييع الثوابت والأهداف العليا التي حاربنا في سبيلها، فخرجنا من راية العروبة إلى راية مصر الفرعونية، وانفتحنا على الغرب بدون مقدمات واشتهر بين الناس مصطلح المفكر “محمود السعدني” – انفتاح سداح مداح – ثم صالح الصهاينة، فذاب طعم نصر اكتوبر وكانت النتيجة هي تيه الأفراد والطوائف.

أصبح ما يهم المسلم هو الهم الإسلامي فقط، ولم يعد الإسلامي شيئا واحدا، بل أصبح جماعات وفرق، فتولدت طائفيات داخل الطائفة الواحدة، وأصبح أيضا ما يهم المسيحي هو الهم المسيحي فقط، وهكذا بقية الأحزاب والإتجاهات في مصر، فتغيرت خريطة الشعب المصري وأصبحت كل طائفة في جزيرتها. 

أما عصر “مبارك” الذي تجاوز الثلاثين عام، قد لخصه مشهد في فيلم – مرجان أحمد مرجان – “عادل إمام”:

حينما وقف “رجل الأعمال وعضو الحزب الوطني” مع رئيس الجامعة أمام مشروع أرض الجامعة، أخبره أنه سيقيم مسجدا للصلاة وأمامه صالة ديسكو، وهناك محلات لبيع ملابس المحجبات، ولكي لا يتظاهر الطلاب بالخارج، سوف يقيم ساحة للتظاهر، وسوف يرتدي بعض الموظفين ملابس الأمن المركزي، وبهذا يكون “زيتنا في دقيقنا”.

هذه وصفة تثبيت الطائفية، والإستفادة منها في تثبيت الحكم، فيعطي مساحة لكل طائفة لتتواجد، مساحة لا يوجد بها إلا هامشا بسيطا للتمدد، تتلهى كل طائفة في تلك المساحة وتعيش في وهم الإنجاز، وأن ليس في الإمكان أبدع من هذا، في نفس الوقت يخوف كل طائفة بالأخرى، يضع في قناعتها أن السلطة هي الحامي الوحيد من بقية الطوائف، هي التي تمتلك اللغة الخاصة بالتحدث مع كل طائفة، فتظن الطائفة أن لها دلالا على السلطة وأنها تنال الجزء المفضل من الكعكة.

ولكن ذلك العهد أنتج ما هو أفدح من ذلك، الطوائف الصناعية والسرطانية، طوائف أبناء العاملين.

طالما ميزان العدل مختل؛ فتشكيل الطوائف السرطانية يتكون على قدم وساق، فعندما يموت الجسد؛ تنخفض حرارته، من أين تأتي كل تلك الديدان لتنهشه بالكامل؟ هي موجودة مع الإنسان وهو حي، لكنها لا تتمكن منه ولا تؤثر فيه؛ طالما يحتفظ بحرارته، لكن بمجرد الإنهيار وسكون الدماء، يؤكل الجسد في وقت يسير، يصبح المرحوم فلان.

انتشار الطائفية مثل الدود، لها وجود في المجتمع، لكن وجود محايد أو إيجابي، برودة الجسد المجتمعي بالظلم وعدم الشفافية، يمكن الطائفية من التواجد والتكاثر والفتك بالجسد كله.

كلنا يذكر فيلم فبراير الأسود، فيلم تاريخي، لا يحتاج لمزيد توضيح، يتحدث عن أقوى الطوائف الحديثة التي يجب الإنتماء إليها والإحتماء بها، “وناسبنا الحكومة”، الطوائف الحديثة، أو طوائف أبناء العاملين، تكونت بطريقة سرطانية، فأصبحت مغلقة على عائلات، ترى عائلة واحدة؛ كافة أفرادها يعملون في طائفة مهنية واحدة؛ الجيش، الشرطة، القضاء، البنوك، الفن، الفرق الرياضية، الكهرباء، شركات البترول، السلك الدبلوماسي، الجامعات الخ.

أصبح هناك فلتر للوظائف، مازال يضيق حتى تكاد تصبح كل وظيفة طائفة وحدها وعائلات وحدها. غالب من فيها أولاد جنس خاص بهم، أولاد المحظوظين.

نحن كمسلمين نكثر من كلمة الحمد لله على نعمة الإسلام، وكأن تلك النعمة هي التي أختصنا الله بها عن بقية الخلق، ولم نبذل جهدا في أن نصل لتلك النعمة، والمسيحي يحمد الله على نعمة المسيحية، المنتمي لجنس أو طائفة يحمد الله على تلك النعمة وكأنها حظ أختصه الله به وعليه التمسك به والشعور بالتفوق على الآخرين بحظه.

نشأ نفس الشعور بالطائفة الحديثة، الكل يحمد الله على نعمة الجيش أو القضاء أو البنوك أو الإخوان أو السلفية أو الفن الخ، هذه مشاعر سميتها من قبل، نفسية شعب الله المختار.

نفسية تلبست كل طائفة تظن أنها محظوظة وتستحق حظها، حتى في الزواج، ضحكت الدنيا على كلمة الإخواني لا يتزوج إلا إخوانية، في حين أن الواقع أن كل الطوائف أصبحت تقوي طائفتها بالمصاهرة، من يرصد خريطة المصاهرة في مصر، يجد أن المصاهرة أهم وسائل تحصين الطائفية.

انتشرت الأنانية والانعزال الشعوري بين الطوائف؛ عندما يبتلى فرد في الطائفة، أو يحدث لها حادث يمسها كجسم فريد، تتألم الطائفة وحدها، وتنزعج، وتقيم الدنيا ولا تقعدها، وتريد أن ينكس العلم المصري وأن يوضع شريط أسود على شاشة التلفاز من أجل هذا الحدث الخاص.

بينما الطوائف الأخرى تستنكر وتتعجب من تلك المبالغة، وربما تنظر بشماتة الحاسد، تظن أن تلك الطائفة نالت أكثر مما تستحق.

وعندما يحدث حادث يصيب الوطن الأم الجامع لكل الطوائف؛ تكون الانفعالات أقل بكثير من مستوى الإنفعال الطائفي.

في المبنى الكبير، عندما يقوم كل ساكن بإحداث تعديلات في شقته، ويزيل أعمدة رئيسية، حتما سوف يأتي يوم ينهار البناء على من فيه.

وعندما يصيب السرطان الجسم لا يستثني جزءا منه؛ يستحيل أن نتخيل أن هناك جزء محصن.. هذا وهم.

كل الطوائف قد تكون ظاهريا متماسكة وقوية، لكن “تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى”.. هذه سنة الحياة.

فكما تكونت الطائفة تتكون داخلها ميكروب من الطوائف الصغيرة، فيصبح البأس شديد بينهم، وسوف تأتي لحظة تتحرك صخرة صغيرة جدا من البناء فينهار.

وفي خضم كل هذا ننسى أكبر طائفة أصيلة في المجتمع. “الحرافيش”؛ هذه الطائفة المفعول بها، والتي يستقطع منها دائما المميزات التي تذهب لبقية الطوائف المحظوظة. حتى يكاد لا يتبقى ورقة توت تستر.

هذه الطائفة المهملة والمستهان بها والتي إن لم نتدارك الأمر وننشر الشفافية والسلم المجتمعي، سوف تقلب الطاولة على الجميع بقوة لا تقاوم، ولن يسترضيها شيء.. الخوف أن هبة الحرافيش سوف تكون بلا عقل ولا رؤية فيخسر الجميع.

المشكلة في استحالة إقناع أحد بخطورة هذا الانشطار الطائفي الذي لا يتوقف عن الانقسام، فدفء الطائفة المتوهم يجمد العقل والخيال، وينسى الجميع أنهم على سفينة الوطن، والطائفة هي ثقب في السفينة، وبقدر الطوائف يكون عدد وإتساع الثقوب، وهذا خطر يطول الجميع.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.