بانتظار سعد

بانتظار سعد

اللوحة: الفنان العراقي سيروان باران

سليم الشيخلي

يتجول ربيع عام 1990 في الطرقات يلونها بالأخضر والأحمر والأصفر، أمطرت أمس فتحولت الشوارع إلى أنهر صغيرة، الشمس تنشر الدفء والعافية، تبدأ من جديد أيامنا البغدادية تدور لتحتضن مؤتمراً لملوك ورؤساء الدول العربية فتنشر جدائلها وتلبس زينتها ونلتصق بالتلفزيون نرى القادمين.

– من هذا الذي نسي أن يمشط شعره؟

– عيب يا أمي، هذا القذافي رئيس الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الديمقراطية الاشتراكية العظمى.

– وذاك الذي يشبه تومان البصري

– البشير، رئيس جمهورية السودان الاشتراكية الديمقراطية.

– ذاك أمير البحرين

– وكيف عرفته؟

– أميزه من بين آلاف الأشخاص. ما زلت أذكر زيارته إلى بغداد، كان كريماً جداً.

مرت وجوه عديدة أعرفها، الحسين ابن عم مليكنا الشاب ضحية ثورة الرابع عشر من تموز مع خاله عبد الإله. حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية التي رفدتنا بثلاثة ملايين يد عاملة أصبحوا بعد انتهاء الحرب مشكلة وعالة علينا. فهد ملك السعودية. جابر أمير الكويت، وكم تمنيت أن يذهب حسين إليها ليعمل هناك. إنهم يقولون أن النقود مرمية في الشوارع، وقد ذهب البعض هناك وعادوا بعد سنة بسيارة فارهة لشراء منزل جميل فيمنطقة جديدة.

بغداد تمد يدها ويمسك بها العرب جميعاً، إنه الحلم. ابتسامات، قُبل وضيافة تجعلنا نتمادى في الحلم. جارتي تقول إنهم سيجعلون السفر بين الدول العربية بالبطاقة الشخصية، وأن الدول الغنية ستساعد الفقيرة. المال عندهم كثير ولا يعرفون ما يفعلون به والأقربون أولى بالمعروف.

خطب، زيارات، ابتسامات، بيان ختامي وينتهي المولد ويعود الجميع إلى بلدانهم بعد تشابك الأيادي، بوس لحى وضحكات لن تنسى أبداً إلا بغداد عاصمة النار المخبّأة تحت رمال هادئة تتقد من الداخل، خمبابا في الطرقات يطارد الصبية، عشتار في عربتها السومرية ليحرقها وما تبقى لها من زوادة في بداية الطريق. طلع علينا السيد الرئيس من خلال شاشة التلفزيون ببدلته الزرقاء متجهم الوجه قائلاً

– قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق.

هل نسي طبعه خلال مؤتمر بغداد وعاد إلى وحشيته ليخرج من فمه ناراً! ألم تنته داحس وتصبح نكتة لتردي العقل؟ ها هو سلطان الخيمة العراقيةيتحدث بلسان الصحراء القاسية، لم تشفع البدلة الزرقاء ولا أنوار التلفزيون للوقوف بين التعصرن وعصبية البداوة. بدأت من جديد مناوشات الإذاعات والصحف والصواريخ الكلامية، زيارات، بيانات، الجامعة العربية صنم من صوان لم يتحرك فتكسر خارج اللعبة. الصبار يكبر بسرعة ويتسلق فوق معلقات الأمل الجديد للحياة. آلة الحرب تستيقظ، القطعات العسكرية تتحرك من جديد نحو الجنوب، ينثر النخل جدائله احتجاجاً، تهتز جذوره، لكن منيسمع احتجاجات الموتى. الرافدين تلك الأغنية الأزلية تتجول في أحشائها غولة تفتح ساقيها بحمم بركانية باحثة عن أرض جديدة للحرق، تنفث نيرانها لتمتد فوق الماء زاحفة وتحرق كل ما بعدها، تصحو ليبدأ ميلاد جديد لمأساة تنهض من عروقه المتعبة وتبدأ دورتها وكأن ما حدث من حرب ثمانيسنوات مع إيران شيء من تاريخ قديم والخروج من عنقه قاد إلى عنق آخر أكثر تشابكاً وضياعاً، جحيم جديد للزمن السادي المدمن دماً ينشر أذرعته الأخطبوطية ويجثم على جسد المدينة ليلجم آمالها. مَنْ يثأر مِنْ مَنْ!؟ من يستفز الشوارع ورائحة المسقوف وأسراب الطيور المهاجرة!

مثلما تعبر طفلة صغيرة شارعاً فتدهسها سيارة، تموت، تغسل، تعطر، تكفن وتدفن، توالت الأحداث، دخل الجيش العراقي الكويت بسرعة واحتلها تحت جنح الظلام بتبريرات مضحكة دنيئة لم يصدقها أحد حتى رفاق الحزب والسلاح الذين فوجئوا بهذا الانتهاك. ها هو كتاب الحرب يتلى علينا من جديد،المقرر الوحيد لبؤساء القرن العشرين الذين جرفتهم الكلمات المعسولة بالنقود أو الخوف من الاختفاء بين طيات المجهول، فمن حرب الأصدقاء إلى حرب الأشقاء بدأت خفافيش الجبهة الشرقية الممثلة بالثالوث غير المقدس، الجيش، اللصوص، الجيش الشعبي في التقاطر على المدينة الجريحة وجعلها مسرحاً للنهب والتهديد، السرقة، القتل والاغتصاب. لقد أصبحت الكويت مشروعاً للانتهاك بأبواب مفتوحة. تبدل اسمها إلى المحافظة التاسعة عشرة “النداء”. امتلأت المحافظات العراقية بالبضائع المسلوبة. أي إنسان ينتفض فينا بهذا الشكل المخزي ويحلل ما حرم الله. وأي ذريعة نبرر بها حفلة القهر والسلب ونسمح للآخرين أن يسرقوا ويعلقوا جريمتهم على مشجبنا. كم من البسطاء امتدت أيديهم إلى حرام مغرٍ بسبب الجوع. جاءتنيسعدية تطرح عليّ فكرة الذهاب إلى هناك لشراء بضائع برخص التراب، والربح مضمون ومضاعف.

– حرام يا سعدية أن نأكل من أموال مسروقة، السرقة واضحة، إنها ليست تجارة.. وممن؟ من إخواننا الكويتيين الذين وقفوا معنا طوال سنوات الحرب المجنونة مع إيران.

لكنها ذهبت رغم معارضة زوجها واشترت كمية من البطانيات وجاءت بها إلى بغداد لكن لصوصاً بالزي العسكري سرقوها وعادت يجللها الإحباط والندم فبدأت تصلي وما زال زوجها يتندر بهذه الحادثة التي كسرت شوكتها وأحد أسنانه.

رحل سعد مع فيلقه إلى الكويت وتأخر رغم أن السنة خلعت حلتها القديمة وارتدت الجديدة. بعد أذان فجر جديد دق الباب فهرعت لأفتحه فإذا به يسد الأفق، عانقته عند الباب، ولما هدأت روحي دخلت البيت قبله، دخل وبيده كرتونة فيها قطع كهربائية صغيرة.

–  من الكويت؟

–  نعم من الكويت.

وصرخت بصوت عال.. الله أكبر، أتدخل حراماً في بيتنا، كفاني ما لقيته من الدنيا دون سبب، فكيف إذا تجمعت أسبابه. كيف تدنس البيت بمسروقات يا سعد!؟ متى نقف أمام الله بثياب نقية

–  ولكني اشتريتها بفلوسي.

– ومن أين لك النقود لتشتري كل هذا؟

صمت سعد، ولم أتراجع عن إصراري في أن تخرج هذه اللوثة من دارنا. عاد مساء وأخبرني أنه باعها برأس مالها. لم أصدقه رغم إبدائي مزيداً من الحنق كي لا تتكرر مثل هذه المسألة وتناسيت ما حدث لأنه ولدي، وقبل أن يغادر إلى الجبهة الجديدة جلسنا سوياً، حدثني عن الصحراء وشكلها المخيف الحنون، الألفة مع الصباح، الهجيرة القاسية عندما تقف الشمس فوق الرؤوس، وفي الهزيع الأخير من الليل يسمعون صليل سيوف وحوافر خيل.

–  وهل تحتفظ الصحراء بتاريخنا؟                                                     

– لا أدري ولكني سمعت آخرين يؤكدون ذلك. لم أصدق أحدهم حين ذكر أنه رأى قافلة بيضاء خرجت من الأفق الشرقي واختفت باتجاه سهيل ترفع أعلاما بيضاء تتساقط منها قطرات دم وقبل أن تلامس الأرض تطير كالذباب والرؤوس منحنية بعماء أزلي.

– إنه الخوف يرسم الهزيمة قبل حدوثها.

–  الكل خائف، من قائد الكتيبة إلى الذين دفعهم الموت للهرب.

– وهل ستنشب حرب جديدة؟

– نصلي أن لا، ولكن لا أحد يعرف ما يطبخ في السر

–  ماذا سيحدث لنا، هذه أمريكا وليست إيران.

– الله أعلم، إنهم يملكون أسلحة كافية لحرق العالم. ثم أردف: اعذريني يا أمي فالمكان بعيد، الاتصال صعب جداً، قد أتأخر عن المجيء فلا تشغلي بالك. الصحراء من كل جانب تذكرني بك بالموت والميلاد. تمر أيام لا نأكل فيها إلا الخبز اليابس. يجثم الخوف على صدورنا عندما تبتلع الظلمة كل شيء لا نرى حتى أصابعنا. الضابط يعطي إجازات للذي يدفع أكثر. البعض يهرب للجهة المقابلة، زميلي خلع زيه العسكري وبقي بملابسه الداخلية معللاً أن الحر شديد وكان يتصبب عرقاً، سار ببطء مبتعداً عنا وعلى مسافة أطلق ساقيه للريح ليرمي نفسه في أحضان الجيش الأمريكي. آخرون فعلوا ذلك. قسم لايعود من الإجازة، يهرب إلى الأهوار التي أصبحت ملجأً للهاربين من يد السلطة، تحتضنهم داخل غابات البردي بأمان.

– خذ حذرك يا ولدي، وتذكر الله دائماً، وستعود سالماً إن شاء الله.

ودعته بحرارة، نزلت معها الدموع دون استئذان وكأنه الوداع الأخير. فجر يوم هادئ من سنة حبلى بالمفاجآت خرج سعد ليلتحق بالجبهة، بعد خروجه بلحظات لم أتمالك نفسي فتهاويت على الأرض، وجلست أنحب بأصوات عتيقة صدئة وصورة أبي حسين، حسين، سعد بملابسه الكاكية، نخيل البصرة المحترق، الصحراء المدنسة بآلات الحرب، السماء بالأقمار الصناعية، الأجيال الجديدة التي تعودت على استنشاق البارود، مدن محترقة، معوقون جدد تطوف حولي، عندها رنت في أذني أغنيتي القديمة “أريد الله يبين حوبتي بيهم“.

بدت بغداد مدينة مهجورة في آخر ليلة حددها الأمريكان موعداً لبدء الحرب، مساء بارد كئيب، شوارع خالية من المارة إلا من أعمدة النور الذابلة. قبع الناس في بيوتهم يتحدثون بهمس مريب ينشر مسحوقه الرمادي كالضباب على كل حركة أو فكرة داخل الرأس. بدأ العد التنازلي. العالم يجلس على شرفة كبيرة يحتسي الشاي ويتفرج عليك أيتها الضحية التي دفعها مغتصبها معصوبة العينين إلى داخل حلبة وأطلق عليها كل أسود الدنيا وصاح بها: انتصري.

خوف أبعد من حدود الموت، موت بطيء حد الإذلال. امتحان أم عقوبة يا حاضرة الدنيا وفردوس القلب. إن قاتل زوجي وولدي وأزواج وأبناء كثيرات مثلي يتجاهل كل القيم الإنسانية ليدوس على أحلامك وآمالك وعلى أيام السلم القليلة التي عشناها معك والتي لم تك كافية لخلع ثياب كابوس أسود لحرب امتدت ثماني سنوات. إنه أيضاً يجلس على الشرفة جنب أبي رغال وابن العلقمي، يتفرج عليك وأنت تتلوين تحتهم، دماء بكارتك الخضراء خيوط تملأ الساحة، ثم يصرخ برعونة سنلقنهم درساً لن ينسوه، وليخسأ الخاسئون.

جاء الجنون، قصف بالمجان، موت معلن وخفي بالمجان، أربعون يوماً والصواريخ تنغرس في جسد العراق وتتفجر لتنسف الجسور، المصانع،الكبرياء، محطات الماء والكهرباء، التراث وزهو الرشيد يعود بعدها جيشنا حاملاً أنواط الهزيمة المرة هارباً على قدميه مئات الكيلومترات تاركاً شرفه وسلاحه خلفه دون الالتفات إليه. جروح فوق الجسد وتحته، فرح مشوب بالحزن بانتصار الأعداء على الطاغية. وجيشه الذي بدا كنمل فتحت عليه ماسورة ماء ساخن.

حزن عتيق يضيء مشاعله، والساعة لا تقف عند حد في العراق فتختلط الأشياء بالأشياء، الجنوب يثور بعفوية ويزيد من استعار نار الأسى حتى نصل قعرها نلوكها بصمت وتلوكنا بجعجعة. الشمال ينفصل بهدوء، تنفرط فسيفساء الوطن وتتبعثر الدولة، لكل زقاق شيطانه. لم يأتِ سعد والحرب وضعت أوزارها. الخوف يكبر مثل كرة الثلج، والأسى أفق يضيق حولي كل لحظة، بدأت أستمد صبري من هنا وهناك. ابن حميد وصل اليوم سيراً على قدميه من حفر الباطن.

– لم أره منذ أشهر. لم يكن في مواقعنا، لكني سمعت من أحدهم أنه رآه قبل الحرب في البصرة.

شمس صفراء كالوحل تقف في منتصف سماء الذاكرة تشوش بهلاميتها نوافذي فتفقد الصور عذريتها. سيجيء، لا بد أن يجيء. الذل يمسح بيديه على واجهات البيوت وأطعمة الباعة، أغاني البؤساء. الطعام يقل، الوقود ينفد من المحطات. رغم ما يجري لن أقول إن الكأس قد نقص نصفه، تعلمت من عشتار صبراً يمتد إلى ما بعد الأمل المستحيل ويرسم أحلامه على شفاه الجانب الآخر من الليل. أحس أن غدك قريب وأنّ شمسك المختبئة خلف آلاف الليالي المظلمة، غابات الدخان والدروب الصعبة، دوي المدافع ورائحة الموت ستشرق كابتسامة طفل ولد هذا الصباح، وأن الجراح ستلعق نفسها لتنهض المدينة المسبية كطائر الفينيق. سعد آخر باب ألج منه نحو الحياة، لم يعد بعد، لكنه سيجيء، هكذا كنت أقول لعشتار فتهز رأسها.

سألت عنه بعض الجنود العائدين، الصليب الأحمر، لجنة المفقودين والأسرى.

–  ما زال هناك جنود أسرى في السعودية.

–  وهل هو معهم؟

– ليست لدينا قوائم بأسمائهم.

كان جوابه نبتة متسلقة تزهر بحكايات عودته داخل روحي. سيأتي والأيام تمضي والحزن يتجول من دار لدار. الحرب التي حسبتها انتهت تبدأ من جديد بأشكال أبشع من صاروخ ينفجر، حصار يشل بلد الحضارة الممتد إلى رحم التاريخ. عاد جميع الأسرى والشمس ما زالت تشرق كل صباح دون خوف من قصف معاد وسعد لم يأتِ بعد، سعد السؤال الذي يضربني على قمة رأسي وداخل صدري، فتجف الكلمات على شفتي والدماء على سواحل أحلاميالبريئة، أحس أن اللعنة التي تتساقط على بلدي كل لحظة تتجمع سجنا كبيراً حولي، كابوساً يدخلني عالمه وقتما شاء دون أدنى مقاومة مني.

بدأت رحلة البحث عن سعد في وجوه القادمين وحقائب المغادرين، وفكرة رحيله إلى والده تجعلني أتمسك بالأمل بخوف، وبقدر ما كان الأمل يذوب كالأمواج على الشاطئ كانت الرغبة تستعر، إنه قلب الأم يقفز مع كل دقة باب، أتفرس في وجوه الناس عله يخرج من وسط الزحام نبياً من أرجوانيمسح حيرتي الحزينة. أتمنى لو أملك مصباح علاء الدين فأدعكه ليخرج منه سعد مارداً جميلاً يهتف بي. “أمي، شُبّيك لُبيّك سعد بين يديك” فأضع رأسي على صدره دون دموع، وأفتحه لأدخل بستانه ولن أخرج منه أبداً. ستكون رعوده وعواصفه أرحم من عطاء أيامي هذه، فالأيام ما زالت تدور وغول غلاء الأسعار يكبر كل يوم وتكبر معه الفاقة والعوز. يكنز الموسرون الطعام ويبيع الفقراء حاجاتهم المنزلية لشراء ما يكفي لسد رمق يوم أو أكثر. أكوام القمامة تتجمع في الطرقات فيحرقها الأطفال ليلعبوا حول نارها، فتزكم أنوفنا برائحة بقايانا الرطبة. هزيمة، جوع، حصار، مرض، دوائر تكبر قليلاً قليلاً لتغطي بحيرتنا الآسنة ونحن بداخلها بقايا السبي، أكوامُ نفايات، منسيون حتى من ولاة أمورنا لنصبح الأحياء الموتى مع مرتبة الشرف. هياكل متحركة تبحث عن ما يملأ جزءاً من معدتها حتى لو كان مرمياً في مزبلة من غير رغبة بالحياة. الأمل يموت ببطء ويتلاشى ليكتب اليأس إعلاناته فوق وجوهنا. حصار الداخل أقسى وأفظع من الحصار الخارجي، تبدو مثل الثقوب السوداء تلتهم عزَّتنا وكرامتنا ومـا تبقـى من كينـونتنا. أمراض جديدة تنتشر كالهشيم، سرقات، اغتصاب، ربا، قتل، تآلف الشرطة مع اللصوص في عمليات مرعبة. لم يعد المسقوف يعطر جدائل أم نواس. بغداد تحتضر،تسد أبوابها بعد المغيب فتبدو مدينة أشباح وساحة للصوص والقوادين ورجال الأمن الذين ما زالوا يبحثون عن الشرفاء لسداد فواتير قديمة، رشوة،ليالي حمراء لرؤوس فارغة تحول الهزيمة بعد الكأس الثالث إلى انتصار، موت فجائي، أطفال يتركون المدرسة ليبيعوا العلكة ويمسحوا زجاج السيارات عند اشارات المرور، إعلام مسلول يهزج للنصر الوهمي في أم المعارك، اختطاف، جثة ملقاة على قارعة الطريق دون ملامح وآثار التعذيب تجلدها بعد الموت، جدارية جديدة للقائد الضرورة، خرج ولم يعد، معد خاوية، آخر قلاع الداخل فينا تتكسر بصمت، تسول، أجساد بضة معروضة للبيع، هروب جماعي إلى عمان آخر خيمة لأحفاد حمورابي، ولم يأت سعد بعد. بعت الدكان، اشتريت بجزء من ثمنه طعاماً يكفي شهراً واحداً وعزمت على السفر إلى عمان لأبحث عن سعد وأشياء أخرى أو لأهرب منه وأشياء أخرى. لم تكن عملية استخراج جواز سفر صعبة لكنها تتوقف وأدفعها بما تيسر من المال فراتب الموظف لا يكفي لشراء كيلو من اللحم فكيف يمكنه أن يتم حياته باقي الشهر، اضطر أغلبيه الموظفين أن يعلقوا إنسانيتهم على مشاجب مؤقتة كي تبدو الرشوة عملاً إنسانياً. ظهيرة يوم شتائي مشمس تحركت حافلة عتيقة من علاوي الحلة تحمل ما ترك السبع متجهة إلى عمان.


كوميديا الحرب وتراجيديا السلام

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.