مهد الحضارة

مهد الحضارة

اللوحة: الفنان الإيطالي أومبرتو بوكيوني

لوى عنق دابته بعنف، فتأرجحت العربة ونحن بداخلها، أوشكت أن تنقلب بنا، سألته: لمَ غيّرت مسارنا هكذا؟

غير أنه لم يردّ عليّ، إذ كان في وادِ بعيد. راقبته وقد سلكنا طريقًا غريبًا لم أمر به من قبل، يتسع حينًا ويضيق أحيانًا، مسافة زمنية تزيد على ثُلث الساعة قطعناها ثم ضغط فجأة في بطن السيارة بقوة، فتشبثتْ بالأرض، انكفأت وصاحبي حتى كدت أرتطم بالزجاج الأمامي.

سألته بنبرة لم تخل من خوف: مالك؟

لم يُجب، فقط أشار بسبابته اليمنى إلى غير بعيد، بيت له سور حجري ضاع لونه، تساقطت بعض أجزاءه. همس: هنا بئر ذكرياتي، هنا هبط آدم ورفيقته من الجنة، وارتفعت أنا مكانهما. ثم تنهّد ودقات قلبه تتسارع، حتى أشفقت عليه، قلت: كهل مثلك عركته الليالي لا ينبغي أن يفرح هكذا، قد لا يتحمّل قلبك، ثم إن الدار مهجورة يا مولانا.

قال: لا، أنصت جيدًا، هل تسمع الضحكات الآتية إلينا عبر شقوق الجدران؟ هل تلحظ النظرات الرائحة والغادية من خلال شيش النافذة الخشبية المتهالكة هناك.. أشار لواحدة بعينها، أكمل: كنت أراها صبيحة كل يوم ومساءه، ثم صاح بي وهو يدير مقود السيارة تجاه الطريق الرئيس: هنا مهد الحضارة، مشى بعربته رويدًا وأنا أجاوره، راح يتحسس أحجار البيوت، يتشمم بقوة واستمتاع عبق تاريخ لا تزال رائحته تتوطن المكان.

لمّا خرجنا للهواء الطلق، التفتَ إليّ، قال: جئنا هنا لسبب، فما هو؟

أجبته وأنا أربّت على كتفه: يا صديقي، جئنا لتقديم واجب عزاء، لكن وجدت أن كل شيء هنا حي يتنفس.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.