اللوحة: الفنان المكسيكي ألفريدو رودريغيز
يفرح الزوج الشاب بخبر حمل زوجته الذي يمنحه لقب الأب، يتمنى سرا وجهرا أنْ يكون المولود ذكرا، يحقق الله أمنيته الساذجة، يقيم للرضيع حفل “سُبوع”، ثم تمر الأيام ويتراجع الفرح بولي العهد، فآفة النعمة الاعتياد، يكتشف أنه حين دعا ربه قائلا: “يارب ولد”، نسي أن يُلحق الدعاء بتفاصيل أخرى قائلا: ولد مؤدب، مطيع، متفوق ويحقق كل أحلام الأب، الأحلام التي فشل في تحقيقها لنفسه، يريد الأب أن يتفاخر بأبنائه مثلما يتفاخر بأشيائه.
يتمنى الأب أن يعافي أولاده من العقبات والآلام التي أجهدته في حياته، يظن أنه يكفيه سبقه لهم في تجربة الحياة ومعرفة مسالكها، عليه فقط أن يحكي لولده ثم يصف له خريطة الحياة الصحيحة، وعلى الولد أن يتلقف تلك التوجيهات بلهفة وتقدير ثم يطبقها، وبهذا يصبح أفضل وأسعد من أبيه، هذا ما يتمناه الآباء لأبنائهم، يتناسى الأب أن أباه مارس معه تلك اللعبة وفشلت، وأنه عانده وأصر على خوض رحلة الحياة بنفسه.
ينشب بين الأب والابن صراع حافة الهاوية، الابن يدخن، يهمل في دروسه، يصاحب أولاد لا يرضى عنهم الأب، يتكلم مع الأم بطريقة فيها جرأة، يلوح بيديه مع الكلام، لا يحسن الإنصات.
تدور دائرة اللوم والتوبيخ ويتطور إلى صدام متكرر، يشعر المراهق أن أباه يبالغ في الوصاية عليه، يريد سجنه في نموذج في خياله، يتوهم أن الدخول في هذا النموذج هو شرط حب الأب، يشعر بالاضطهاد، يتطور صراع الإرادات وتسود بين الطرفين مشاعر الفشل وتتكدر الحياة.
في كتاب “يوسف إدريس” الأب الغائب يقول: أعجبتني الحكاية التي قصها علينا الأديب عبد الله الطوخي وهو يروي لنا كيف كان جالسا مع عائلته في منزله، ثم فجأة سمع ضجة وصراخا وعويلا في الشقة المجاورة، فأسرع ودق على باب جاره لتفتح له ابنته ويجد الرجل صاحب الشقة وهو ضخم الجثة فارع الطول ينهال بقطعة حديد على جهاز التليفزيون في بيته ويُحطمه ويُفتته قطعا قطعا أمام زوجته وأبنائه وبناته دون مراعاة لاستعطافاتهم ورجواتهم وهم يقولون: والنبي يا بابا.. بلاش تكسره بلاش. فيرد عليهم بصوت عال كالرعد قائلا: أنا مش بابا، هذا هو بابا (قاصدا جهاز التليفزيون). منهالا عليه بشدة أكثر تحطيما وتكسيرا حتى فتته تماما.
وهذه القصة تجسد تعقيدات العلاقة داخل الأسرة بسبب عوامل خارجية اقتحمت حياتهم الخاصة.
يحكي صديق: في السنين المبكرة من زواجي، كان أولادي وبناتي أطفالا، فكنت أرجع من العمل لا أبغي سوى السكون، فأجلس ساكنا أو أستمع للتليفزيون، من المعتاد تشاجر الأطفال المتكرر، ولم أكن أطيق الضوضاء والكلام الطفولي، فأنهرهم وأتعامل معهم بنفاذ صبر، وأحيانا أضربهم، والأولاد يجننوا العفريت بكثرة شجارهم، لو تدخلت بينهم حين يتشاجرون؛ لا بد أن أكون ظالما لأحدهم ومتهما بالانحياز للطفل الآخر، حتى أنني في إحدى المواقف ضقت ذرعا بهم، فحكمت عليهم أن لا يتحدثوا معا، وبهذا ظننت أنني حللت المشكلة، فكان مشهدا مضحكا وسخيفا، ظل كل منهما ينظر للآخر ويضع يده بقوة على فمه ليكتم ضحكته، لم يكن ضحكهم إلا على هذا الأب الساذج الذي لم يفهمهم، ثم بعد دقائق يعودوا للعب معا.
موقف الزوجة كان دائما مختلفا، تمنح إنتباهها لهم، تنصت وترد وتجادل وكأنها طفلة مثلهم، تجلس في وسطهم، وذقنها المسكين يترنح بين الأطفال، كلما نظرت لليمين، يمد الطفل الآخر يده إلى ذقنها لكي يحوله إليه ليحدثها، وهكذا تظل تكلمهم وهي مستسلمة لأيديهم، وأتعجب من صبرها.
نحن للأسف تربينا لنكون أبناء مطيعين، وليس أزواجا ماهرين وآباء متفهمين لدورنا، وقد تكون الفتيات أفضل حظا لتلقيهن قدرا من التدريب المنزلي الذي يعدهن نفسيا لتلك الوظيفة.
في هذا الزمن لا تكفي الأم، الأب الذي سيتملص أو يتعالى على التفاعل والحوار مع الأطفال، سوف يتجاهلونه تماما في حواراتهم عندما يشبون عن الطوق، سوف يكونوا شبابا راشدين، يدور الحوار من حول الأب وكأنه غير موجود، فمن لم يهتم في الصغر، كيف يجد له مكانا في الكبر؟
يتحدث عبد الوهاب مطاوع في كتابه “أهلا مع السلامة”، معبرا عن الأب الذي كافح، سواء بالعمل الشاق طوال اليوم وعلى مدار حياته، أو بالسفر للخارج ليستطيع الإنفاق على أولاده، فيكون أولاده متفوقين دراسيا ومستريحين في حياتهم بفضله، ثم تأتي مرحلة من حياته، يمرض ويلزم الفراش.
عندما زاره عبد الوهاب مطاوع، وجده يقتله الملل، يجري حوار في البيت خارج غرفته، لا تتوقف الحوارات بين زوجته وأبنائه عن شؤونهم وتجاربهم العاطفية والحياتية وغيرها، يعلو الضحك والصراخ والجدال الحماسي في المنزل بينما هو وحيد معزول، سيناريوهات غاب عنها في رحلة كدِّه في الحياة، يدور فيلمها في حضوره ولأول مرة، إحساس المنبوذ يخترقه ويلفه، مهما اجتهدوا في الاحتفاء به.
علق عبد الوهاب مطاوع قائلا: ليس للأب المكافح للأسف مكان بينهم، كأنما كانت حياته تجري في مجرى مواز لمجرى حياتهم، فتوازى النهران، لكنهما لا يتقاطعان ولا يتلامسان إلا في أضيق الحدود وأكثرها رسمية، هي صورة متكررة من الحياة، قد تحدث لنا طوعا، قد تحدث لنا قسرا، ولكننا نتجرعها في النهاية مريرة.
حكى صديق: في مستهل حياتي الزوجية، رزقني الله تعالي بأطفال، لاحظت زوجتي أنني قاسي على اولادي، أحاول تأديبهم بالعنف والصراخ، رغم أنني أكون لطيفا ومتسامحا مع الأطفال الأخرين.
ولدهشتي كان رد فعل الأطفال عكسيا وفاشلا، فقالت زوجتي لي: إن في خيالك رعبا من نموذج مشوه تخاف أن يطول أولادك، وخشيتك هذه قد تتسبب في تلقين الأولاد الشخصية السيئة التي تحذر أن يتقمصوها. أنت مثقف ولكن لا تعرف معنى طفل.
تصادف سماعي لمتخصص تربوي، قال: عندما يكتشف الأب أن ابنه تملكته عادة سيئة فهو أمام ثلاث خيارات.
الأول: أن يكون أبا متخصصا في التربية ويفهم نفسية الأبناء و يقنع ابنه بترك العادة، ولكن هذا الأب يندر وجوده.
الثاني: أن يحاول إقناع ابنه باللين والشدة ثم يصطدم به، وحتما ستكون النتيجة عناد الابن وأن تسوء العلاقة بينهما.
الثالث: أن بنصح ويتحاور بالكلام اللين الحكيم دون إهانة، ويتركه دون أي ضغط منه، وفي هذه الحالة هناك احتمال أن يكف الابن أو يستمر، ولكن لن تسوء العلاقة بينهما.
فاخترت الخيار الثالث وأصبحت ناصحا ومحاورا لهم ورفعت الضغوط عنهم و صادقتهم وكانت النتيجة كالسحر.
ورغم كل هذه الحكايات، إلا أنه لا بد من الانتباه لخطر التأنيب، التأنيب لعنة، فلا تدع أحدا أو حادثا يستنزفك عاطفيا أو ضميريا، أنت كأب، لا يُطلب منك أن تكون الأب المثالي، ولا أن تفهم كل قواعد وفنون التربية، هذا لا يقدر عليه أغلب الآباء، ولكنك تكفلت بالأولاد ووفرت لهم ما قدرت عليه ماليا ونفسيا وعاطفيا، أعطيتهم ما في جعبتك ولن تتوقف عن العطاء، فإن لم يستغل الأولاد هذه الرعاية، ونالهم قصور أو وقوع في فخ أخلاقي أو أي فخ من فخاخ الدنيا، فلا تؤنب نفسك، دعك من الكلام الكثير الذي يتناثر هنا وهناك، دعك من حوارات الأفلام عندما يقول الولد لأبيه: “لماذا أنجبتونا طالما لستم قادرين على طلباتنا”.
عليك الرضا بالقضاء والقدر كما هو، فما تساقط منك أو من أبنائك ليس لك حيلة فيه، لقد كنت أبا عظيما، إياك والتأنيب، عليك بالفخر بنفسك وأبنائك.
