عمر وأسامة تحت الأنقاض

عمر وأسامة تحت الأنقاض

آيات الحرازين

اللوحة: الفنانة الفلسطينية ندى الخطيب

يَستوقفني جدار البيت المهدوم كل يوم حين أعبر الشارع.

“عمر وأسامة تحت الأنقاض”

أمعنُ النظر في الكتابة، في الجدار، في البيت، في كل شيء أمامي.

يعبر الناس بجانب البيت كل ثانية تقريبًا، مشيًا، بالسيارات أو حتى بعربة الحمار.

يمرّ الإسعاف، الباعة المتجولون، الشرطة، شاحنات المساعدات.

يقف رجلان أمام البيت، بجانب الجدار، يتحدثان عن الحرب، عن الشمال والجنوب والنازحين؛ ومن ثم يكملان الطريق.

الناس في المخبز المقابل يتصارعون في الطابور من أجل كِسرة خبز.

تمتلئ السماء بالطائرات، الصواريخ، دخان القذائف وصوت الاشتباكات.

تهتز الأرض من القنابل والبراميل المتفجرة.

يعلو نحيب الأطفال خوفًا، تصرخُ الأمهات وجعًا. الفقد يألف كل زوايا المدينة، الشمال يبتعد عن الجنوب.

وعمر وأسامة تحت الأنقاض هناك، لا يسمعان ولا يشاهدان شيئا.

لعلّهم نائمان في سباتٍ عميق. علّ البيت يخبئهم في أعماقهِ من البرد، أو تحتضنهم جدرانه خوفًا من أصوات القذائف كما نفعل نحن كل يوم.

أقف كل يوم، وألقي السلام عليهم، رغم أنني لا أعرف عمر، ولم ألتقِ بأسامة. لا أعرف ملامح وجهيهما ولا عمرهم، ماذا يحبان؟ وماذا يكرهان.

ربّما مررت بجانبهم يومًا، والتقت عينايّ بعيونهم وهم يعبران الشارع مبتسمين، لعلّ عمر كان يمسك بيد أمه مثلاً وأسامة بيدِ أبيه. لعلّهم كانا يتشاجران على لعبة سيارات مثلاً، يقلدان احتفالية لاعبهم المفضل.

ليتني أستطيع أن أنقّب عنهم بأظافري، سأحفر حتى يسيل الدم من يديّ، قد تسقط قطرات الدم على وجه عمر وأسامة قد توقظهم، حينها سيصرخان، سيطلبان المساعدة، سأطمئنهم بأنني أبحث عنهم. لقد اقتربت يا أطفال أو حتى يا شباب.

“وعمر وأسامة تحت الأنقاض”

انتظر كل يوم أمام البيت، حين ألقي السلام عليهم، لعلّ صوت الناس والباعة المتجولين وسيارة الإسعاف وشاحنة المساعدات وصوت الطائرات والاشتباكات يختفي، فأسمع همسهم.

قد يتركهم البيت يطفوان على سطح الركام، يلوحان بيدهم لي. نحن هنا هل تريننا؟

نعم، أراكم وأسمعكم. سأتصل بسيارة الإسعاف والدفاع المدني، سأوبخهم على تركهم عمر وأسامة تحت الأنقاض في هذا البرد.

سأتحدث معهم سأسأل عن عمرهم عن ملامحهم عن لونهم المفضل عن لاعبهم المفضل.

لن يرحلا حينها كرقم، لن يبقيا كمفقودين تحت الأنقاض كتب اسمهم على ركام البيت المهدوم.

سألقي عليهم التحية وأنا أعرفهم، حينها سأفرّق بين صوت عمر وأسامة.

فالسلام عليكم أينما كنتم


عن «حكايا غزة»

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.