اللحاق بآخر عربات القطار

اللحاق بآخر عربات القطار

اللوحة: الفنان الألماني إرنست لودفيغ كيرشنر 

محمد محمود غدية

في عينيها استعلاء ينم عن كبرياء وتحفظ، لكن إذا أمعنت النظر فيهما تكشفان عن حزن دفين، جمالها هادئ قد لا يستوقفك، إذا سمعتها تتكلم، تطلب من الكرة الأرضية أن تكف عن الدوران وتتوقف أمام تلك اللحظة الثرية، التي تنقلك إلى عوالم أكثر بهجة، بسيطة الملبس، تتسم بذوق رفيع وألوان متناسقة، غير مسرفة الأصباغ بوجهها النضر، إذا وجدت متلبسة بالضحك فهي مختصرة، ربما للحزن الذى داهمها وترك أثاره على وجهها وهى في ريعان الصبا، منذ وفاة والدها المفاجئ، دون مقدمات لمرض بعد أن عصفت به الخصخصة، ترفض أمها العيش دونه، فتلحق به في نفس العام، لتجد نفسها وريثة لتركة مثقلة بالهموم، طفلان في عمر الزهور، تترك التعليم الجامعي المنتظم وتلتحق بأقسام الانتساب، حتى توفق بين تعليمها وعملها في إحدى ورش الصناعات الجلدية، مطوحة بالمستحيلات بعد أن وجدت نفسها وحيدة، مستفيدة بالممكن و المتاح رغم مرارة غياب والديها، غمرها الفرح في نجاح أخوتها في دراستهم وحصولها على ليسانس الحقوق، أخيراً تعبر مع أخوتها شواطئ الأمان بعد أن تقاذفتها العواصف والأمواج، كانت الشمس تتعانق بألوانها الذهبية فوق سطح الماء وهى ترمى ببصرها بعيداً حيث حلمها الذى نسيته في معركتها مع الحياة، لتكتشف أن المسافة بين الحلم والواقع بعيدة جداً كبعد النجوم في السماء،

 تأملت أنوثتها التي أوشكت على الانطفاء، فوق سطح الماء ووجهها الذى ذهب عنه نضارته، ابتلع البحر دموعها التي انسابت رغماً عنها، مازالت لديها فرصة اللحاق بآخر عربات قطار الزواج، بقليل من الأصباغ والبديهات التي تكشف أكثر مما تخفي، خلعت عن قدميها حذاء الكوتشي الرياضي وارتدت الكعب العالي، الذى أعلن عن أنوثة متوثبة، كانت مهملة لسنوات طوال، لا يهم أن زميل العمل يكبرها بعشر سنوات ولا شهادته المتوسطة، يكفي أن لديه شقة مؤثثة في بيت أسرته، متخلفة عن تجربة سابقة لزواج لم يكتمل.

كانت قد أهملته لكل هذه الأسباب مجتمعة، كان هذا في السابق، اليوم ليس لديها اختيارات مع سنواتها التي تقافرت، وأصبحت رصيفاً مهجورا.

لا يتوقف عنده قطار الزواج، لا مانع من أن تشجعه وهي كثيراً ما تضبطه متلبساً وهو يتأمل حدقة عينيها الواسعتين وساقيها الجميلتين، أدهشته حين أبصرها في ثوب الأنوثة الجديد الذى لم يألفه.

 وبقليل من دلال الأنثى، أمسكت به.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.