أسيل ياغي
اللوحة: الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط
ما سأكتبهُ اليوم ليس أدباً بالدرجةِ الأولى، بل سيتضمن الكثير من قلة الأدب.
ما نسبته 75٪ من سكان قطاع غزة يعيش على الدخل اليومي في الوضع الطبيعي، والواقع أن غزة لم تعرف وضعاً طبيعياً يوماً من الأيام، ومعنى هذا الآن أن 75٪ من سكان القطاع إن لم يَكن أكثر لا دخل يومي له، ما معناه لا طعام يومي مضمون، إن كُنت محظوظاً كفاية سترمي إحدى الجمعيات في وجهك القليل من المُعلبات وحفنة من البقول لا تملأ طبقاً لشخص واحد.
وإن سأتحدث عن إقامة النازحين، ففي أحسن الأحوال هناك عائلات سكنت الخيام وعائلات أقامت في الدفيئات الزراعية، مبالغة أليس كذلك؟ وجماعات ناموا على الرصيف، وأفراد سكنوا المقابر وأطفال ناموا في سيارات قُصِفَت سابقاً.
ما يحدث الآن لا أجد له وصفاً بالمعجم العربي فلا كارثة ولا نكبة تعطي هذه الأهوال حقها.
قبل أمس عِشنا أنا وعائلتي مشهداً لم نعشهُ طيلة الحرب، بل لم يمر مثيل له في حياتنا كاملة حيثُ اضطررنا للخروج والهرب من منطقة المصدّر وسط القطاع بعد إلقاء المناشير واشتداد الاشتباكات في الليلة السابقة، هربنا والرصاص ينهال فوق رؤوسنا، قطعنا الطريق مشياً من خلال أراضٍ زراعية، أرض تلو الأرض متجنبين السير مباشرة على طريق صلاح الدين حيثُ تَتمركُز قوات الجيش الإسرائيلي، تحركنا خلف بعضنا البعض بمحاذة حيطان الشوارع حتى وصلنا لنقطة بعيدة نسبياً عن تمركزهم وتسربنا اثنين اثنين، ونجحنا بمراوغة القناصة وقطع الشارع.
لم أعد أغضب لعدم اهتمام العالم، ما يُغضبني قلة الأدب التي تعّدت كُل الحدود، في الأسابيع الماضية السابقة “أي بعد دخولنا الشهر الثالث”، وهُنا لن أبتعد كثيراً وأقول “العالم” سأضيّق نطاق الحديث قليلاً، عاد بعض من في الخارج لحياتهم على أكمل وجه، وبكل وقاحة هناك من قامت بنشر ڤيديو واضعة قائمة بأهداف العام أربعة وعشرين ونحن هُنا بصقت الدنيا في وجهنا ومسحت أعوامنا الماضية والتالية، وأُخرى قامت بتصوير مقاطع تيك توك لنفسها وهي تضع الميكاب وترقص على أغاني سخيفة مثلها، وأُخرى سعيدة بأغنية عمر دياب الجديدة!
ثم تظهر في وجهي عبارة “تأدب في حضرة الموت”
عن أي أدب تتحدثون؟ وكل ما يُحيطنا هو قلة الأدب!.
في الطريق لرفح كان البحر على امتداد بصري، وكانت هذه هي المرة الثانية التي أشاهد فيها أمواجه من يوم خروجي من شمال القطاع، كدتُ أنسى شعور مشاهدته، دائماً ما كان هذا الأزرق وحده من يُثير عاطفتي، فوجدتُ نفسي أبكي بكاءً خفيفاً، وأُغني “نحنا شفنا العذاب يمّي دقنا حلاته، واللي نِسي أرضه يمي يعدم حياته، يعدّم حياته”
ثم قطعني صوت أحد ركاب الباص وهو يلعن البلاد واللي ماسك البلاد. وعُدتُ للغناء ثانية وأنا أشاهد الموج يضرب بشدة “بترابك يا أرضي العنيدة في صوت وصدى عم بيقول يا نجوم زرعتا بأيدي ضلّي ضوّي على طول”
أعتقد أن ما يصف المشهد الآن هو الفُحش، هُناك ظلمٌ فاحش، جوعٌ فاحش، قهرٌ فاحش، غلاءٌ فاحش وغباء فاحش أيضاً.
أكثر ما أخشاه الآن أنني قد بدأت أعتاد المُعاناة. لكن ما لن اعتاده ولن أسكت عليه هو هذا الانحطاط وهذه السفالة.
عِشنا ما لم يَعِشه أحد، ونعيش الآن أسوء أيام الحرب فعلياً وما عُدت أهتم بما ستحمله الدقيقة التالية لذا على الأقل أظهِروا القليل من الأدب، نقبله حتى ولو كان ظاهرياً وكاذباً مثلكم.