اللوحة: الفنان العراقي سنان حسين
ما هذا الكم من الخلافات بين الأزواج؟ ما هذا الضباب الذي يتكثف في سماء الزوجين؟ أعتقد أن نسب الطلاق المعلن والطلاق العاطفي لم يسبق أن بلغت هذا الرقم الذي سجلته أجهزة الإحصاء اليوم.
أتخيل من ينام ويقتحم أذنه صوت ميكروفونات من كل المنازل المجاورة، هل تهنأ له معيشة أسرية وحياة زوجية؟، أعتقد أن أكبر أسباب الفشل في العلاقات الزوجية من خارجها، ضغوط صاخبة بلا عدد.
لم تعد الحياة فيلم أبيض وأسود، نحن نحيا فوضى في كل اتجاه وفي كل مناحي الحياة، أنا فوضى وانت فوضى وأهلنا فوضى وتعليمنا فوضى ومؤسساتنا فوضى وإعلامنا فوضى وطعامنا وشرابنا وهواءنا وحياتنا ومشاعرنا وخواطرنا وافكارنا وأهدافنا ووو…..!
الفوضى تخترق الجميع. وحين يحدث هذا يجب أن يتعاون الناس على تنظيم تلك الفوضى ومواجهتها، والأولى أن نسرع معا إلى المحابس الرئيسية للفوضى فنغلقها، ولكننا للأسف نختار الخيار الأفدح الأناني، أن يواجه كل منا نصيبه من الفوضى وحده ثم يفشل وحده ويتألم وحده، ويصبح الفشل هو الأصل، فشل علني وفشل أسفل الجلد.
آن الأوان لنراجع كل عاداتنا وأفكارنا ومعلوماتنا عن الزواج، لقد أصبح الزواج وخاصة للمرأة مغامرة خطرة تشبه تجربة الهجرة لأوربا في قوارب الموت، فمن يهاجر في مراكب الموت يعلم أن الأمل قليل ولكن لو نجا لدخل جنة أوربا.
أول إجراء لا بد من اتخاذه، أن يكون هناك إجراء للزواج يتبعه إجراء للإنجاب ويتحول الإجراءان إلى عرف مجتمعي، يقوم الزوجان بتناول وسائل تمنع الإنجاب لمدة ستة أشهر على الأقل وقد تزيد، ولا يتم اتخاذ قرار الإنجاب إلا حين يتأكد الزوجان وأسرتهما من السلام، يتأكدا من أن الزوج أو الزوجة ليسا مقلبا وابتلاء، وأنَّ أسرة الزوج أو الزوجة لن يعكرا الحياة ويُمْرضا الزوج أو الزوجة نفسيا بتطفلهما على حياتهما، يتأكدا من الحد الأدنى من التوافق الجنسي، ويتأكدا من كل ما يريح القلب وتتحمله النفس برضا، وبعد التأكد والمشورة يقرر كلاهما الإنجاب، وبهذا نضمن أنه حين تتعذر الحياة يصبح الطلاق يسيرا وبلا أولاد أشقياء بقرارهما.
وبالتوازي مع هذا الإجراء، يحتاج المجتمع المصري أن يغير نظرته الطبقية للبكر والثيب، فكون المرأة بكرا أو ثيبا لا يؤثر على سعادة الطرفين أو سلامة الأسرة، هناك في كتاب القدر رجل أو أمرأة عندهما مؤهلات سعادة الطرف الآخر بغض النظر عن كونها بكرا أو ثيبا.
نحتاج أيضا شجاعة وعمقا في مناقشة مشاكل الأزواج الحقيقية، ومن أفضل الأمثلة لذلك فيلم “سهر الليالي” الذي يمثل قفزة شجاعة في مواجهة أحد أسباب شقاء الزوج أو الزوجة، “خالد أبو النجا” شاب ثري أنيق ملتزم وخجول، موهبته في العمل والربح ممتازة، علاقته بزوجته عادية ولكن ينقصها التلقائية والحميمية، “جيهان فاضل” زوجة لا يعرف زوجها عنها أهم أفكارها وأشواقها، تظهر واضحة جدا حين تجلس مع الطبيب النفسي، لدى زوجها روتين هو أشبه بوضع وسادة بين الزوجين في الفراش، روتين يمنع تسرب كامل الحس والشعور والحب بينهما، إن فَتَحت عليه الباب عَرَضا وهو يستحم يصرخ منزعجا كالبنت العذراء، فتعتذر بتوتر ثم تتراجع وتغلق الباب، الغريب أن الطبيب النفسي لم ينصحها بمصارحة زوجها، والغريب أيضا أنه لم يحاول استدعاءه ليخبره مباشرة بما يجب عليه فعله، ظل الطبيب يسمع منها ويتفرج على تطورات إنهيار حُصونها، بينما هي تقترب من الاستسلام للغواية، ولكن كلامها للطبيب عما تخيلته في العلاقة الجسدية، مهم جدا، هي تريدها عشوائية، فيها مسحة من العنف الطبيعي، توحش وغلبة غريزة في كل مكان وعن غير توقع، اختار مؤلف القصة أو مخرجها أن تفلت من الخطيئة في لحظة حاسمة، ولكن من الممكن تخيل سيناريو واقعي وتقع في الخطيئة وتنهار، وفي الحالين سوف تعود نادمة لزوجها، ويدور الحوار الذي فيه يعذر كل منهما للآخر.
يقول لها: سامحيني.
فتقول له: “كلنا بنغلط.. كلنا لازم نغفر”.
وهذه اللقطة التي أطاردها في أغلب المقالات، الحكمة التي تأتي متأخرة والقبول المستحيل بعد نفور يائس.
أعرف شخصا كان له تجارب مع بنات الهوى قبل الزواج ثم تزوج، كان يكثر القول بأنه لم يجد متعة سوى قبل الزواج، فلما سألته عن السبب، قال: “لأن زوجاتنا محترمات ولا يليق بهن الاستعانة بكلمات وأدوات ووسائل الغانية”، للأسف لم أفلح في إقناعه أن المشكلة تكمن في عدم مصارحة الزوجين لبعضهما، فيجب أن يسأل كل منهما الآخر عما يمتعه ويريحه، أو يجرب كل منهما معا ما يتعرفا به على مفاتيح متعة كل منهما ثم ينسجما.
يذكرني هذا بالشخص الذي فوجئ بجرأة زوجته ليلة الزفاف فطلقها، وهذه ليست نكتة ولكن حادثة متكررة.
أرى أن البنات أكثر استمتاعا وتقمصا للحياة المدرسية والجامعية من الأولاد.
صداقات البنات ونِكاتهن، سلاسل “التحفيل” التي تنطلق تِباعا والضحكات المجلجلة، كلها تنم على أنهن يستمتعن بشدة بالحياة المدرسية والجامعية، تلك الحياة توفر لهن نِطاقا من الحرية غير المتكلِّفة، ولا يَحظين بها في الحياة الأسرية والعائلية، ولكن الظاهرة المُثيرة للدهشة عربيا، ما يحدث بعد الزواج.
يتحول التقمص والاندماج كله إلى الحياة الزوجية والأولاد، وتتمحور الحياة حول أسرة عائلة الزوج والزوجة، وتبتعد الصداقات القديمة حتى تكاد تتلاشى، تنغمس المرأة في حياة المسؤولية وأعراف وطقوس الزواج، وتدور في ساقية الزوجة المصرية، ساقية زيارة أم وأخت الزوجة والزوج ومناداة حماتها ب”ماما”، حتى إن الأبناء والبنات حين يتصادف أن، يستمعا حديث يدور في لقاء عابر بين أمهن وصديقة قديمة لا يعرفونها، يندهشون لما يخرج من الأم من نكات وذكريات وروح مرحة وكلمات جريئة! فيتساءلون، هل هذه أمنا؟، ما هذه الشقاوة وما هذا الوجه المتوهج والفَرِح؟.
ولو حدث فشل في الزواج، وأرادت المرأة أن تعود لصداقاتها القديمة التي تخلت عنهن باختيارها، تجد الأمر شديد الصعوبة، فكيف تصل ما انقطع وهي أرملة أو مطلقة!، ونحن نحذر من المطلقات ونفر منهن فرار الشاة من الذئب، هذه الظاهرة لا تحدث للرجال، فلا يتسبب الزواج في انقطاع الرجال عن الصداقات القديمة.
أرى أن نشجِّع دفع الأزواج لزوجاتهم أن يخرجن من خضم روتين الزواج، وذلك بعقد لقاء شهري أو أسبوعي مع صديقات الأمس والجيران، فترة بدون زوج ولا أولاد ولا أهل الزوج والزوجة، يخرجن من الاندماج في دور الأم والزوجة الحديدي والروتيني، والذي يجعلهن أمهات وزوجات طول الوقت، هذا الاقتراح يُطبَّق تلقائيا في الدول الغربية ويمثل ظاهرة صحية.
المشكلة التي سوف تخرج من أفواه الأزواج هي، حذرهم من انتقال الأسرار الأسرية للخارج، وقيام الزوجات بتبادل الخبرات الحياتية التي قد تؤثر على صندوق الأسرة وخصوصياتها،وهذا محتمل! ولكن هذا عَرَض جانبي لا يمكن تفاديه ولكن يُوجَّه ويٌرَشَّد، وفي نفس الوقت، أليس اختلاط الرجال مع أصدقائهم يُعرضهم أيضا لنفس المخاوف، وقد تنتقل الأسرار ويتم تبادل الخبرات!
المساواة يا أيها الناس… فكلنا بشر، هذا الموضوع قد يستهين به الكثير، ولكني أؤكد أنه يعالج أمراضا خطيرة في مجتمعنا، أمراضا مكتومة وقابلة للانفجار ولا يُتحدث عنها ولا يلتفت إليها، إلا عند الطبيب أو القاضي أو المأذون، بعد فوات الأوان.
