اللوحة: السوري نذير نبعة
محمد محمود غدية

كلمات متسكعة على سطور غير مستقيمة، تشبه سواد الكحل في العيون، تساقطت سنوات عمرها مثل أوراق خريف ذابل، ذاكرتها هرمة موبوءة بالصدأ تارة، ومثقوبة بأضغاث أحلام تارة أخرى.
الحزن يتمدد كشجر اللبلاب، تنتحب في صمت دموعها تستعصى على النزول، تعتصرها الوحدة كل ليلة انتظارا لغائب لا يعود، صرير الأبواب الموصدة وزخات المطر المؤلمة، يؤلفان سيمفونية تنذر بالنهاية، تحاول جاهدة الإمساك بالحكايات التي عشقتها يوما وخبأتها في دفاتر الحلم البعيد، هل يمكن للحكايات أن تتحول بفعل الزمن إلى أطياف وخيالات، بردت أطرافها وارتعشت حين هاجمتها عتمة الفراغ الموحش، والسكون المطبق ورطوبة الجدران، تلوذ بالكتابة وتغمس القلم في دواة نزف القلب الصغير الذى أصابه العطب، ترتحل بعيدا فتصطدم بشتاءات لا تنتهي، رهيفة الملامح كالصبح دون أصباغ، كأنها قادمة من أفلام الزمن الجميل، شعرها ناعم ينعس فيه الليل، تنحني الأشجار والأزهار أمام خضرة روحها وطراوتها، هل يمكن للعصافير أن تتقافز من جديد وتنقر زجاج نافذتها، وتعيد ترتيب الفصول، وهل يمكن لآلاف النجمات التي تساقطت من قبة سمائها جثث آفلة، أن تعود لسيرتها الأولى في نشر الألفة والضياء؟
طوحت بالقلم بعيدا وحزمت أوراق الوجع، وأغلقت حقائب الشجن، حين أبصرت الصبح من شيش شباكها ورأت العصفور ينقر زجاج النافذة، على الإنسان أن يكون رحيما مع نفسه، وينفض الألم، ليست الوحيدة التي فشلت في الحب ولن تكون الأخيرة، تنتعش قصص الهجر ولوعة الأغاني والأفلام على أطلال الحب، التي تدفع لدغدغة المشاعر وذرف الدموع، كل ليل إلى رحيل، بعده يأتي الصباح الذى يدخل من الأبواب والنوافذ، حاملا أنفاسه العطرة لتبدأ دورة الحياة والوجود من جديد، نفحة من رائحة الورد والياسمين تملأ حجرتها، كم تبدو جميلة وهى تستفيق من غشاوة الرؤى وتدور حول نفسها كراقصة للباليه في بحيرة البجع.
- دموع الورد
جلست يوما بين الخمائل والورود والرياحين، في روضة بستان، اقتربت منى زهرة جميلة، سبقتها رائحتها الطيبة العطرة، آلمتني دموعها التي فاضت، حسبتها في البدايات أمطار تروي الورد.
سألتها عن سبب البكاء فقالت: أبكي من الإنسان الذى يلوي أعناقنا ويذبحنا، ويسوقنا ويبيعنا كالعبيد، ونحن الحرائر، غير عابئ بقسوة الذبح، لنزين مواكب العرس وأكاليل الفرح، ويوما فوق شواهد القبور، وبعد الانتهاء من رحلة الآلام، نذبل وتدوسنا الأقدام وتكنسنا رياح الأيام، وأضافت أنها الوردة المعصورة في زجاجات العطر، أريجها يسكر، الغادي والرائح، مزروعة في وجنات الجميلات، وكراسات العشق والحكايات، تذكرت صديقي حسام الأستاذ بجامعات المانيا وحكايته عن الطفلة الصغيرة، التي صرخت في وجهه، بينما كان يلوي عنق وردة ينوي ذبحها في حديقة، قائلة: أتركها لو أخذتها تكون لك وحدك، لو تركتها
تكون للجميع، وكان هذا بمثابة درس لا ينساه.
هناك أسطورة قديمة تقول: أن الوردة الحمراء، كانت في يوم من الأيام بيضاء، وكانت هناك أميرة صغيرة، ترعى عصفور صغير تحبه، اشتد عليها المرض، فقال الساحر العجوز للملك: أن الأميرة تحب ولابد لها من وردة حمراء كي تشفي! من أين وكل الورود بيضاء؟
يسمع العصفور كلام الساحر، فيطير لشجر الورد الأبيض، ويضغط بصدره الرقيق على أشواكها، يسقي الوردة البيضاء بدمه، تحمر الوردة، تعيش الأميرة، ويموت العصفور، من يومها أصبحت الوردة الحمراء بطاقة حب للعشاق، جففت الوردة دموعها، حين أدركت أن هناك عصفور ضحى بحياته كي تعيش الأميرة،
مثلما تمزق أغصان الورود وتذبل وتموت.
حديثي للوردة لم يتوقف، حين ابتسمت لقولي: أن حبي لها، يوشك أن يرتقي إلى حافة التقديس.