اللوحة: الفنان المصري طه القرني
هناك قصة شهيرة لعربي يشتري بضاعة من محل أوربي، قالت له البائعة: “هذه بخمسة دولارات وهذه بسبعة”، فلما وجدهما نفس الشيء سألها فقالت: “حدثت زيادة في السعر”، فقال لها: “لم لا تبيعي الإثنان بالسعر الجديد” فقالت: “هل أنت لص؟”
في هذه القصة تحدث كل واحد بثقافته، تكلم المصري بما في بيئته من تناقض قيمي، فجميعنا يستمع للموعظة في المسجد ثم يراها تُخترق وتُنتهك في الواقع. في المسجد وحصص الدرس، يُنصح بالصدق والعدل والرحمة وبقية القيم العليا، بينما في الواقع يرى الطلاب المدرسة تتزين وتنتظم وتصبح بالألوان الزاهية حين يأتي مسؤول لزيارتها، وبعد انصرافه تسترد ثانية ثوب الخطيئة والفوضى.
ويحدث نفس النفاق والتجمل في كل المؤسسات الفاسدة، وبهذا يتدرب الناس على التناقض بين الموعظة النظرية والتطبيق العملي المنافق والمنزوع الضمير، فأصبح للشر هيبة وجاذبية واحترام، ولا يشعر المصري بالتناقض، فالضمير أصبح مطاطيا بعد أن هزمته الحياة في الواقع والمثال، وأصبح التناقض القيمي هو الماء والهواء فلا يُنكرون ولا يعترضون.
هذه هي أكبر معضلة مصرية، التعايش مع التناقض الذي يزين السطح ويترك الجوهر فاسدا، تعليم بلا علم، انتخابات بلا نزاهة، ديكتاتورية بإجراءات ديمقراطية، سرقة في إطار درامي وتغطية إعلامية تجعل الناس يتعاطفون مع اللص والقاتل ولا ينتبهوا للسرقة والقتيل.
والمدهش أن هذا الحال قديم منذ قرن ونصف، فلو بُعث أحد المصريين الذين ماتوا عام 1900، سينظر إلى المجتمع المصري اليوم ويكتشف أنه لم يتغير ومازال يعيش في التناقض ولا يشتكي.
يحكى أن… ذهب فلّاح لجاره يطلب منه حبلاً لكي يربط حماره أمام البيت، أجابه الجار بأنه لا يملك حبلاً ولكن أعطاه نصيحة وقال له :
“يمكنك أن تقوم بنفس الحركات حول عنق الحمار وتتظاهر بأنك تربطه ولن يبرح مكانه“ عمل الفلّاح بنصيحة الجار، وفي صباح الغد وجد الفلاح حماره في مكانه تماماً، ربَّت الفلاح على حماره وأراد الذهاب به للحقل، ولكن الحمار رفض التزحزح من مكانه، حاول الرجل بكل قوته أن يحرك الحمار ولكن دون جدوى، حتى أصاب الفلّاح اليأس من تحرك الحمار، فعاد الفلاح للجار يطلب النصيحه، فسأله: “هل تظاهرت للحمار بأنك تحل رباطه؟“
فرد عليه الفلاح بـ استغراب : “ليس هناك رباط“.
أجابه جاره : “هذا بالنسبة لك أما بالنسبة للحمار فالحبل موجود“.
عاد الرجل وتظاهر بأنه يفك الحبل، فتحرك الحمار مع الفلاح دون أدنى مقاومة .
لا نستطيع أن نسخر من الحمار لأنه حيوان، ولكن المدهش أنّ الناس أيضاً قد يكونون أسرى لعادات أو لقناعات وهمية تقيدهم، وما عليهم إلا أن يكتشفوا الحبل الخفي الذي يلتف حول عقولهم فيمنعهم من تقبل اختراق القيم وتناقض الواقع والمثال.
كيف يختار المصريون من يترشح في الانتخابات ليمثلهم؟
كنت في زيارة لأقربائي، وكانت الدعاية للإنتخابات البرلمانية المصرية ساخنة بالبلاد، وإذا بمرشح حزبي شهير يزورنا، هذه هي الدورة الرابعة له في المجلس، وقد ورث أباه الذي كان عضوا بالمجلس سنوات طويلة متتالية، جلست معهم في الغرفة الكبيرة، وبدأ العضو في شرح أسباب جدارته بتمثيلنا بالبرلمان، فحكى تلك القصة:
أتصل بي فرد من عائلة فلان، وطلب مني النجدة بسبب حادث خطير، فقد انطلقت بالخطأ رصاصة من أخيه فأصابت ابن عمه الذي قتل في الحال، وأسرعت إليهم واستمعت للقصة ووجدتهم يعانون من مصيبتين، الأولى حزنهم على موت إبن عمهم والثانية خطر توجيه تهمة القتل لأخيهم، ولا يضمن أحد أن تُصَدِّق النيابة القصة، ونظرا لأنه يعرفهم جيدا ويثق في صدقهم، هكذا قال!، قام بعمل إتصالاته بمن يعرفهم من المسؤولين، واستطاع أن يتوسط لتُكيف القضية وكأن القتيل أطلق على نفسه النار بالخطأ، وطويت صفحة هذه الحادثة سريعا بسبب علاقاته ووجاهته التي هي ثمرة عضوية مجلس الشعب.
استمعت إلى القصة وأنا مذهول من تفاعل الحاضرين معه وتغاضيهم عن توصيف هذه الجريمة، لقد قال لهم صراحة: انتخبوني لأنَّ عندي الأدوات التي تفلتون بها من الشفافية والعدالة، أتوسط لأشقيائكم حين يجرمون وأتوسط لتوظيف أبنائكم أو إعفائهم من خدمة إلزامية أو القبول في الالتحاق بمدرسة أو كلية، يعدهم بأن يكون واسطة تتجاوز القيم والقوانين.
ولا تحاول إقناع الناس بخطأ هذا المنطق لأنك ستلاقي مقاومة عنيدة، فمقاييس المصريين عاطفية وبعيدة تماما عن المنطق.
كيف ينظر المصري لمراسم الجنائز والمآتم؟
للمآتم عندنا طقوس ووجاهة، وخاصة في القرى، وهناك كثير من الأسر التي يُعهد فيها إلى فرد من العائلة بتسجيل أسماء العائلات التي أرسلت من يؤدي واجب العزاء، ويحتفظ بهذا السجل لضبط عملية رد الواجب في حينه، فامتلاء الصوان بالمعزّين دليل على كرامة هذه العائلة، ولهذا فوظيفة عضو مجلس الشعب الكبرى هي حضور الجنائز والعزاء بدور الضيافة، وعندما يأتي بالبِطانة التي معه للعزاء، يقوم أهل المتوفي بحركات متوترة ومتكلفة للترحيب به والأخذ بيده إلى أن يجلس في مكان مميز للوجهاء، ويكفي أهل المتوفي هذا الحضور كي يتمسكوا بالوفاء له وتأييده في كل مرة يرشح نفسه للانتخابات.
وفي البرلمان لا يوجد أسرار، تنشر الصحف والإعلام المرئي أن العضو فلان وافق على قرار بزيادة الضرائب التي ترهق الناس، أو قدم طلبا بتمديد قانون الطوارئ الذي يقيد كرامة وحرية المواطن، ولكن هذه نثريات عند الناس، لا يدركون خطرها، المهم أن يكون بيت العضو مفتوحا للناس ليمنحهم وساطته، ومعلوم أنه يستحيل أنْ يمنح وساطته لكل الناس، لكنه يعتمد على ضعف ذاكرة الناس وتوهمهم بحظوتهم عنده.
لم يتغير المصري منذ قرن في نظرته لمرشح مجلس الشعب ولا في تقديره لمن يقدم له العزاء حتى لو سرقه وظلمه وحرمه حقوقه، هذا الحبل الوهمي مازال يقيده عن إدراك التناقض وحجم الضرر.
في كتاب “يوميات نائب في الأرياف، لتوفيق الحكيم، يحكي قصة حدثت منذ قرن، بعد ثورة 1919، تتأزم الأمور السياسية فى العاصمة، ويطاح بالوزارة، تقرر إجراء إنتخابات جديدة، ويَجمع المأمور العمد والمشايخ ويأمرهم بضرورة نجاح مرشح الحكومة، ويقبض على أبناء الخصوم بتهمة التشرد، حتى لا يعرقلوا العملية الانتخابية، يقول المأمور لوكيل النيابة:
“تصدق بالله؟ أنا مأمور مركز أديره بالشرف. أنا مش مأمور من المآمير اللى انت عارفهم، أنا لا عمرى أتدخل فى انتخابات، ولا عمرى أضغط على حرية الأهالى فى الانتخابات، ولا عمرى قلت انتخبوا هذا وأسقطوا هذا، أبداً، أبداً، أبداً، أنا مبدئى أترك الناس أحرار تنتخب كما تشاء… لغاية ما تتم عملية الانتخابات، وبعدين أقوم بكل بساطة شايل صندوق الأصوات وأرميه فى الترعة، وأروح واضع مطرحه الصندوق اللى إحنا موضبينه على مهلنا”.
ولو رجعنا لهذا الذي بعث من قبره لتعجب من أننا لا نزال إلى اليوم محافظين على العهد في الطريق والطريقة التي حكاها المأمور مفاخرا.
ولا ننسى مسرحية سعد الدين وهبة، “سكة السلامة”، وشخصية العمدة الذي سافر للأسكندرية ليلتقي بواسطة تعطي ابنه استثناء من أجل نصف درجة ليدخل كلية الهندسة.
قرن كامل ونحن نقيس مؤهلات عضو مجلس الشعب بقدرته على التوسط لنا وحضوره جنائزنا ولا يهمنا ما يفعله فينا تحت قبة المجلس، ونتعامل مع الواسطة بتقبل ونتسابق لنلتقطها، أليس مدهشا أن نحافظ على المرض بحذافي-ره كل هذه المدة ولا يخطر ببالنا أن نراجع أحكامنا وقيمنا؟ وأليس مدهشا أنَّ الذي يحاول تغيير هذه الفكرة ينال معارضة مجتمعية كبيرة.
علينا أن نتساءل عن دور خطبة الجمعة في ترتيب القيم، لقد هبت رياح صحوة دينية قوية ودامت سنوات طويلة ولم تنجح في ترتيب القيم! لأنَّهم اهتموا بمظاهر الدين من اللباس والطقوس والآداب، ولم يهتموا بجوهره، وفي المسجد نتعلم الصدق والوفاء والخير بينما في الخارج نمارس عكس هذه القيم.
أوضح مثال على طفولة المصريين عاطفيا وعجزهم عن إدراك القيم، نجاح المسلسل الشهير (لن أعيش في جلباب أبي)، يدور الصراع ساخنا بين تجار الخردة الذين يحتكرون المزادات، فالمزادات ليست حرة، ولكنها تقسيمة بين التجار اللصوص، يتداولون وقوع المزاد عليهم بحيث يُشترى المزاد بثمن بخس بالإتفاق بينهم، وحين يبدأ الرجل الجديد “عبد الغفور البرعي” بمزاحمتهم، يحدث الصراع ويتعاطف الجمهور مع “عبد الغفور” المسكين الذي ظلمته العصابة التي تتقاسم المزادات، ويفرح الجمهور حين يتمكن “عبد الغفور” من الانضمام إليهم، وتستقر عصابة السرقة والاحتكار في نشاطها دون أن يخطر ببال المشاهد العاطفي أنه يتعاطف مع السرقة، يتعاطف مع الذين يسرقونه في الواقع، وأنه يؤيد اللصوص والفساد.
هذا الشعب مرتبك لدرجة خطيرة، سلم القيم عنده متداخل وبدون ترتيب، بل ومعكوس، ولهذا يحتاج لمراجعة قيمه وعاداته وأفكاره.
يجب أن ينتبه المصريون لحبل التناقض الملفوف حول وعيهم، فيقوموا بفرز القيم وتقدير المصلحة الفردية والعامة، وتمييز المعروف والمنكر بوضوح، ثم يربطوا القيم الدينية بحيث يصبح المظهر والجوهر سواء، ويزول العيش مع التناقض.
