من الأعماق

من الأعماق

كمال ناصر

اللوحة: كمال الناصر بريشة الفنان اللبناني بلال بصل

لئنْ جاءَ شدوي حبيبَ الصدى

يُوافيكِ رغمَ انغلاقِ الرِحابْ

فذاكَ لأنّي نشرتُ جناحي

يُعانقُ في جانحيكِ العذابْ

ويجمعُني فيكِ سوءُ المصيرِ

وما ضمّنا في الأذى والمُصابْ

كما تحتويني بكِ الذكرياتُ

وطيبُ الأماني وبيضُ الرِغابْ

أنا مثلَما شئِتني أن أكونَ

وشاءتْ ليَ الحادثاتُ الصِعابْ

كبُرتُ على الذلِّ لا أرتضيه

ولي موطئٌ خالدٌ في السحابْ

أعانقُ من ربوتَيْه النجومَ

وأختالُ بين الذُرا والقِبابْ

أُطلُّ على الكونِ أحيا النضالَ

وأبقى به العمرَ غضَّ الإهابْ

ومَنْ أرضَعَتْهُ النجومُ الدراري

سَرى في سماءِ العُلى كالشِهابْ

سفَحتُ دمي فاستفاقت جراحي

تُلوّنُ صدرَ الذُرا بالخِضابْ

وأحببتُ داري، فلذَّ لقلبي

بُلوغُ المنى، واقتحامُ العُبابْ

أتوبُ معاذَ العُلا أيَّ يومٍ

مضى شاعرٌ للمعالي، وتابْ

أتاني كتابُكِ يا أختَ روحي

فصافَحْتُ روحَكِ بين الكِتابْ

وهشَّتْ جراحي له واستفاقَتْ

خَيالاتُ أمسي تخطُّ الجوابْ

بلى إِنَّني ذاكرٌ ذاكرٌ

عشايا الإخاءِ ولهوَ الصِحابْ

تظلِّلُنا ظُلَّةُ الياسمينِ

جناحانِ، من لَذَةٍ واكتِئابْ

ونَسمَرُ حتَّى يَجِنُّ الحديثُ

على حُلُمٍ هاجعٍ في السرابْ

فنأسى ونضحكُ من أمرِنا

وبين المآقي دموعُ الدعابْ

بلى إنّني ذاكرٌ ذاكرٌ

وقد أمرعَ الزهوُ فينا وطابْ

وشِعْرُكِ أحلى من المستحيلِ

يطاولُ في الكِبْرِ شُمَّ الهِضابْ

طليقٌ كأنتِ على كلِّ ثغرٍ

تُدِلّينَ بالفنِّ بين الكِعابْ

وشِعْرُكِ وقعُ السَّنا في بلادي

يُهدهدُها بالمُنى والرِّغابْ

فتصحو على دمدماتِ الكفاحِ

وتخفقُ بين القَنا والحِرابْ

أنا مثلَما شئِتني أن أكونَ

تُقبِّلُني الشمسُ رغمَ الضَبابْ

ويحملُني النورُ في كلِّ دربٍ

فأَطوي المغاني، وأطوي الشِعابْ

وحيداً تواكبُني غايتَي

وتصلُبُني شهوتي للغِلابْ

وأظمأُ والكأسُ في راحتيَّ

تراقصَ فيها الهوى والشرابْ

وأعرى وملءُ شبابي الحياةُ

تمورُ، وملءُ إِهابي الشبابْ

أريدُ الحياةَ لشعبي الجريحِ

لتكبُرَ فيه الأماني العِذابْ

فمن حقِّهِ أن يعيشَ الوجودَ

ويبنْيه حرّاً عزيزَ الرحابْ

وليسَ لغير الإلهِ عليهِ

ادّعاءٌ، ليُنزِلَ فيه العِقابْ

وأنتِ، إذا ما أتاكِ كتابي

وصافحْتِني في ثنايا الكتابْ

ولامَسْتِ بين السطورِ دموعا

تَناثَرُ بين القوافي الغِضابْ

بربِكِ لا تَجْزَعي فالأماني

لها دمعةٌ في العُلا والطِلابْ

وإنْ تعتِبي، فالقلوبُ الكبارُ

يَلَذُّ لها في الحنين العِتابْ

غداً ينجلي الليلُ عن روضِنا

مهيضَ الجناحِ، حسيرَ الحِجابْ

غداً ينفُضُ الشَعْبُ أوهامَه

وللشعبِ ظُفرٌ رهيبٌ ونابْ

ملايينُه أقسمتْ لا تنامُ

وفي دربِها موطئٌ للذئابْ

تحِنُّ إلى الثأرِ عبرَ العذابِ

وتُحصي الثواني ليومِ الحسابْ

لئن جاءَ شدوي حبيبَ الصدى

يوافيكِ رغمَ انغلاقِ الرِّحابْ

فلا بدَّ من عودتي للحياةِ

ولا بُدَّ لي في العُلا من إِيابْ

إذا هَتفَ الشعبُ يوماً بروحي

أطلَّتْ له من حنايا التُرابْ..!


كمال ناصر شاعر فلسطيني ولد في مدينة غزة عام 1924، وأنهى دراسته العليا في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1945 وتخرج فيها بإجازة في العلوم السياسية، ثم درس الحقوق في القدس. انتخب كمال ناصر عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1969، وأسس دائرة التوجيه في إطار المنظمة، وكان ناطقا رسميا باسمها. أطلق عليه صلاح خلف أبو اياد صفة “ضمير” الثورة الفلسطينية، لما كان يتمتع به من مصداقية وسمات أخلاقية عالية. كما أصبح رئيسا للجنة الاعلام العربي الدائمة، المنبثقة عن جامعة الدول العربية. استشهد كمال ناصر، والقائدان الفلسطينيان كمال عدوان ومحمد يوسف النجار في عملية اغتيال قام بتنفيذها جهاز الموساد الإسرائيلي في بيروت عام 1973. كتب كمال ناصر مقالات سياسية، والقصة القصيرة، وصدرت له مجموعة شعرية، هي «جراح تغني» عام 1960.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.