اللوحة: الفنان السعودي عبد الله حماس
الكمكمة كلمة تستعملها الأمّهات لوصف تلف السِلعة، مثل (الدقيق) حين يُخزَّن طويلا ويُحْرَم من تَجْديد الهواء، فيتلف جوهره ويُطلِق روائح كريهة ويتغير لونه، وحين تُغْلَق الغرفة لأسابيع طويلة ثم يُفتح الباب، يهب هواءها مكمكما ونسرع بفتح النوافذ ليتجدد الهواء، والكمكمة تعني فساد السلعة، وتحول عناصرها إلى درجة من السُمِّية، فلو أكلها الإنسان لأضرَّت به وربما أهلكته.
ماذا عن الكمكمة في الأفكار والمعتقدات والنفسيات والعواطف والفقهيات والعادات والأهداف والأدوات والوسائل!
ينتابني الشعور بالكمكمة حين أصغي لخطبة الجمعة في مصر أو في الدول العربية. وحين أشترك في مجموعة أدبية أو سياسية أو فكرية أو دينية على وسائل التواصل الاجتماعي. وحين أجلس مع الناس في شركات ونوادي وجمعيات. وحين أتنفس هواء مصر.
الجيل العجوز الذي أنتمي إليه بأغلب أطيافه يحمل بضاعات مكمكمة، الجيل الشاب الذي هو الأمل يُحقن بنفس البضاعة المكمكمة، ولنتخيل أن نتناول دقيق إنتاج عام 1900 ونظل نأكل منه 120 سنة حتى اليوم، فلا نزرع جديد ونُدمن أكل هذا العَفَن؟
من أسباب الكمكمة، أن تنتشر فينا نفسية النجم المحاط بالمعجبين والمتصدر للميكروفون، الذي يطارد الحلم دون أن يتسلح بأدواته، ودون أن يسأل نفسه عن صلاح هذا الحلم وكفاءته وفائدته للناس.
عندما أنظر إلى النشاط الثقافي في مصر يقفز إلى خيالي برنامج اكتشاف المواهب: Arabs Got Talent
أتخيل كل مثقف مصري يتقدم وحده ليعرض موهبته على الحكام والجمهور، نشاط فردي لإنتاج نجم تسلط عليه الأضواء، لماذا اشتهر عندنا الرقص الشرقي (رقصة البطن.. رقصة الجواري)، ولم يشتهر الباليه أو الدبكة اللبنانية أو السيمفونيات والأعمال الجماعية المتناغمة!، لماذا نصر على نموذج النجم الأوحد وعبقرية الفرد!.
في الأفلام الأمريكية هناك مهنة لم يعتد عليها العرب، عندما يحدث ارتباك عند روائي شهير ولا يستطيع اكمال تأليف روايته، تقوم الشركة المتعاقده معه بإرسال موظف محترف في مجال الرواية، وظيفته مساعدة الروائي في إكمالها بحيث تكون ناضجة وناجحة، هذا الموظف لا يملك موهبة الروائي ولكنه محرر محترف يستطيع فك الاشتباك والارتباك عن طريق الحديث معه وإلهامه بأفكار من خبرته المهنية، نحن كعرب لا نفهم مثل هذه المهن الغربية، مهن التعاون، فنحن دوائر بلا أسنان.
عندي اعتقاد بمعادلة رياضية متخيلة؛ 1=1.. و1+1=11.. و1+1+1=111
حين أعمل وحدي يكون الحاصل إنجاز فرد واحد.
حين أعمل مع آخر؛ يكون الحاصل ما يقرب من إنجاز أحد عشرة فرد.
حين أعمل مع إثنين؛ يكون الحاصل ما يقرب من إنجاز مائة وأحد عشرة فرد.
الوعي الإنساني يصعب استدعاؤه فرديا بما يكفي لإنجاز المهمة، ولكن حين يتعاون وعي أكثر من شخص، يحدث التبادل والتكامل فيكون العمل ناضجا وأقرب للاكتمال.
حين سأله حفيده، هل حقق أحلامه! قال برنارد شو: حينما كنت صبيا في سنك كان لي أحلام.. آمنت بها وطاردتها طوال حياتي.. والناس يعتقدون أنني بما حققته أكون راضيا عن نفسي.. ولكن يا بني.. لقد وصلت إلى هذا السن وبالفعل حققت حلمي ولكني أدركت أنني كنت ساذجا حين حلمت الحلم الخطأ.. وها أنا في الثمانين من عمري.. وعرفت حلمي الصحيح أخيرا؛ ولكن أين لي العمر الذي أنفقه في تدارك هذا الحلم؟ فاجتهد يا بني لمعرفة الحلم الصواب.
أغلب الأحلام التي يلقنها لنا المجتمع هي أحلام مكمكمة، حتى حلمنا السياسي فردي، حلم المستبد العادل، رغم أن آلاف الأخبار التاريخية أثبتت أن المستبد الظالم هو أكثر النماذج حدوثا، ولا يخطر ببالنا حلم التعاون معا لتطبيق العدل وحراسته.
عندما تبنى ناطحات سحاب ومدن ويستعان بمواد بناء ومهندسين ومصممين ومقاولين على أعلى مستوى؛ فالمتوقع أنَّ تلك البنايات تصميما وتنفيذا سوف تلبي الهدف الذي بنيت من أجله لعشرات السنين القادمة، وسوف تصمد أمام أي طارئ مثل الزلازل مهما كانت قوته.
ماذا لو تحققت كل هذه الشروط ما عدا شرط واحد، أن يتسرب إلى الإسمنت رطوبة قبل الاستخدام، تلك الرطوبة القليلة تحقن كل المباني بسرطان الهشاشة، والنتيجة أنَّ الإنفاق من مال وجهد ووقت سوف يضيع، هذا تأثير بضع نفحات من الهواء الرطب على جهد الشعوب، الشعوب المكمكمة.
من أسباب الكمكمة، تغول الأنا الفردية على الأنا الاجتماعية، والسير على نفس القضبان بلا تفكير ولا خاطر إبداع مسارات أخرى، لا بد أن يمتلك الشاب الثقة والجُرأة على التعبير بأسلوبه الخاص،ولا ينبهر بالجيل السابق ولا يقع في أسر أفكاره وأدواته المكمكمة، نريده شبابا عنيدا ومثابرا في القراءة والتفكير، حساس للكمكمة والتراب والغبار والروائح السامة، شباب نبيل ومتمرد على الإبائية الطاغية، فأكبر جريمة في حق الشباب أن يستصغروا أنفسهم ويتصرفوا كالمعاقين، كفانا ترويض وعمل فردي، دفء وونس التعاون هو الحل لمحاربة الكمكمة.
حزن الناس في بلادنا لأن خطبة الجمعة أصبحت موحَّدة، ولكني لم أحزن لأني أراها موحدة منذ جئت إلى الدنيا، فخطبة رمضان أو الحج أو الإسراء والمعراج وبقية المواضيع هي نفس الكلمات والأمثلة والدرس، عبر ستين عام من حياتي، في كل مسجد وعلى لسان كل خطيب، بل أتخيل أنَّ هذه الخطبة موحدة منذ قرون عديدة، فثقافة أغلب الخطباء قليلة، يكررون نفس القصص والمواعظ الأولى، نفس الخطب الممتلئة بالطاعوية والتخويف والتوبيخ.
يمتلئ القرآن الكريم بالقيم الكبرى، الحرية والعدل والمساواة والرحمة.. إلخ، ولو نظرنا لما كتبه الغرب عن مباحث الأخلاق أو العدل أو الحرية، لن نستطيع إحصاء ملايين الصفحات التي كتبت والتي سوف تكتب في الأزمان القادمة، فالقيم العليا ملهمة ومتطورة بلا نهاية، وعلى علماء الدين أن ينهلوا من الوحي ما يُرَسِّخ هذه القيم، ولكنهم للأسف لا يفعلون، فالكلمات عن هذه القيم معدودة ومكررة، ولو قارنَّا بين تناول العلماء للعبادات والشعائر والمعاملات التي ملأت ملايين الصفحات، وبين تناولهم للأخلاق والحرية والعدل التي ملأت صفحات قليلة جدا، لعرفنا سر الكمكمة.
خرجت من قراءة تاريخ مصر والعرب، بأن هموم ومشاكل ومخاوف وأفكار وأدوات وأفعال وردود أفعالهم لم تتغير منذ الغزو التتري وحتى اليوم، مازلنا نتقاتل ونتجادل من أجل حروب وقضايا نشبت في القرن الأول الهجري، ونخضع لفتاوى صدرت منذ ألف عام ولا يخطر بالبال تطويرها بحيث تتوافق مع الزمن الحالي، مازلنا نمارس عمليا النظرة الذكورية للمرأة، وينتشر الخلاف والغيرة بين السلايف، ويطغى الاعتقاد بالحسد والسحر الأسود والربط وتلبس الجن.
لماذا لا تنتشر هذه الظواهر والممارسات في بلاد أوربا وأمريكا؟
لقد اشتغل الفكر الغربي وعلماء النفس والإجتماع والفلسفة على مثل هذه الظواهر وغيرها، ونجحوا في نزع سمومها بحيث لم تعد بمثل الحدة التي في بلاد العرب؟
في بلادنا نرى الظواهر والعادات والآلام والمعاناة والمعوقات التي تستمر قرونا كما هي، لم يشتغل عليها العلماء والسلطة ورجال الدين كما ينبغي، وربما كرَّسوها عَمدا أو عفوا، فالمجتمع الذي يفتش في كل ما فيه ينفض عنه الكمكمة، والمجتمع الذي يقلد ويكرر الحياة كشريط التسجيل المسفوف، هو مجتمعنا اليوم.
نحن نصر عمدا على الكمكمة، لا نتعلم من دين ولا تاريخ ولا تجارب شعوب معاصرة، التجارب والحكمة التي هي اليوم بين أيدينا هائلة، ومع ذلك، لا نريد التغيير إلى الأدوات الحديثة لأن الأدوات القديمة مباركة، ولا نريد التغيير إلى الأفكار الحديثة لأن الأفكار القديمة معطرة ولا بد أن تكرر نجاحها الأول، ولو فشلت اليوم فهو فشل مؤقت أو بسبب نقص الدقة في التطبيق.
قد يعذر الناس في الماضي لمكوثهم في الكمكمة أزمانا طويلة، ولكن ماعذر الناس اليوم!، لقد فتحت الدول والشعوب النوافذ للتجديد، كيف لا تلهمنا تجارب ماليزيا وتركيا، كيف لا تلهمنا تجارب اليابان والصين وبلاد الغرب وأمريكا، هل ننتظر من يتفضل ويطبق علينا هذه التجارب الناجحة رغما عنا وبدلا منا!.
