اللوحة: الفنان الأميركي ماكس جينسبورج
محمد محمود غدية

وجهها يتحلى بابتسامة رقيقة، تمتزج بحمرة وجنتيها، فيضفران معا شفرة للجمال يصعب فكها، لديها إصرار على الإفادة القصوى، من الساعات الأربع والعشرين المقبلة في اليوم الذي تعيشه، رغم مرورها بتجربة عاطفية، ما لبثت أن تفككت وذهبت سريعا مثلما أتت، ساءتها العيوب وهي التي كانت تنشد الكمال، صغيرة على الحب وتقلباته، تنقصها الخبرة والتجربة، الوقت فات حين أدركت أن العود لا يفوح الطيب منه دون دخان،
في حجرة الشئون القانونية الملاصقة لحجرتها، شاب في مثل عمرها تقريبا، اعتادت النظر إلى وجهه المفعم بالمرح، وشعره اللامع، بدرجات اللون الرمادي، معجبة بالزهو الذي ينتفخ به صدره، وذوقه الراقي في انتقاء ملابسه، ضبطته يوما متلصصا، تفضحه عيناه الصافيتان اللامعتان، خلف نظارته الطبية الأنيقة.
عليها أن لاتفكر في المفقود، وتتوجه للموجود، فصوبت رداراتها نحوه، إنها على يقين، أن هناك أفلاكا تدور في السماء، من صنع الله.
تضع للناس حظهم من الغنى والفقر، والصحة والمرض، والبؤس والسعادة، والخير والشر، ترى هل ترأف بها السماء هذه المرة، وتعينها على تحقيق أجمل أمانيها، بالفوز بهذا الشاب الجميل الذي يعمل معها في المؤسسة؟
الغير قادر على مقاومة الجاذبية والسحر.
في عينيها الجميلتين الواسعتين بلونهما الفيروزي، وأهدابهما الطويلة السمراء، جاءها يسوقه شوق يماثل شوقها، تسير بتمهل بين الخامسة والعشرين والثلاثين يماثلها، مغسول من الهموم والأوجاع، التي ما لبثت أن تبددت في حكاويه، حين عرفت أنها الزائرة المتأخرة في حياته، بعد أن ماتت حبيبته، امرأة لا تتكرر في تاريخ الورد، وتاريخ الشعر، بعدها لم يعد يصلح للحب، بعد أن امتطى جواد العودة.
كل صباح يموت جزء منه، وعند مشارف النهاية، يكون قد مات، يعتذر أنه ليس ذلك الشاب الذي تراه باش الوجه، هو في حقيقة الأمر، شيخ في الشباب أعياه الوهن.. لا ينكر أنها جميلة يتمناها الكثيرون، لو صادفها من قبل لأحبها، معتذرا أنه لم يعد يقوي على الحب مرة أخرى.
خبا البريق في عينيه وخمد، سال خطان حارقان على وجهه بللا صدره، وغاص في باحات عميقة من الأسى، كأن العمر سينطفئ بعد لحظات.