اللوحة: الفنان الإنجليزي هنري فوسيلي
عبد الرقيب الوصابي

لم تتوقع زوجته هيام أن تصل به الشكوك إلى هذا الحد، صحيح أنها كانت تلمح شيئا من ذلك مع بعض أسئلته التي كان يتعمد توجيهها إليها كلما آوى إلى فراشه بعد منتصف الليل، ومن خلال نظراته المرتابة، إلا أنها ما ظنت يوما أن يتهمها في عرضها ولو كان اتهاما مبطنا وغير مباشر.
أحس “مكرد” أن مولوده الأخير لا يشبهه، كحال بقية إخوانه، ولا يحمل أي وجه من وجوه الشبه التي تجمع بين المولود ووالده، أو على الأقل بين المولود ووالدته، على العكس من ذلك لقد اتضح أن “الصغير” يشبه إلى مدى بعيد ملامح أحد الأصدقاء القدامى، وهذا ما أجج نيران الغضب والانفعال، وزاد من أوارها، ظل حينا من الدهر يتذبذب بين شكوكه لا يقر له بال ولا يهدأ له حال.
ذات مساء استشاط غضبا، بدأ يسألها إن كانت تربطها أي علاقة بصديقه “صغيري”، اكفهر الأفق في عينيها، وأظلمت الحياة دفعة واحدة أمامها، أيعقل أن يكون هذا الجزاء الذي تستحقه؟ تنفست بروية وعمق، حاولت تفهم شكوكه، وإغلاق كل أبواب الشيطان، ثم قالت بصوت متهتك، ورزين: بيني وبينك مقام ابن علوان.
يعتقد أهل هذه الأحياء كثيرا بمقام ابن علوان، فمن رابه شيء في أمره لجأ إليه، طلبا للنجاة من الارتياب، اصطحب “مكرد” ولده الذي قض مضجعه بالشكوك إلى المقام، أخبره القائم على المقام أنه سيقوم بإغلاق بوابة المقام عليهما حتى الصباح، فإذا أسفر الصباح عن وجهه وتنفس، تنفست الحقائق معه، حينها سيظهر الحق، وتمحى الأباطيل، وما عليه سوى القبول بالنتائج كيفما جلاها النهار، أدرك “مكرد” من كلام محدثه: أنه إذا أسفر الصباح والصغير نائما خارج المقام المغلقة أبوابه، فهذا يعني أنه ليس من صلبه، أما إذا تثاءب الصباح والطفل نائم في المقام ذاته، فمعناه أنه ولده الشرعي.
في صبيحة اليوم التالي، أقبل يجر خطاه قائم المقام يتمتم لسانه الرطب ذاكرا الرب، سائلا إياه الستر على عباده، وقبل أن يدير مفاتيحه في قفل بوابة المقام المحكمة الإغلاق، تفاجأ بهيئة رجل نائم في بهو المقام، لا أصدق ما أراه، نور خافت يقتحم ناظريّ عنوة، يذكرني بأنني المسؤول الوحيد عن هذا المقام.
خطا خطوات باتجاهه، اقترب أكثر، لم يكن طفلا هذا المفترش الأرض، حين دنا منه وصار الممتد في مرمى ناظريه، امتقع وجهه البارد، اكتملت المفاجأة وفق أبعادها، إذ لم يكن الطفل هو النائم خارج المقام ولكنه للأسف “مكرد” أباه.