د. عوض الغباري

في أربعة فصول ومقدمة وخاتمة يقدم الأستاذ معتز محسن هذا الكتاب، وقد تعمق موضوعه، ونهج في تأليفه منهجاً يقوم على البحث والاستقصاء من ناحية، وبلاغة الأسلوب من ناحية أخرى.
لقد ألهمت أم كلثوم عشاق صوتها ألواناً من المشاعر الرائعة وهى تصدح بأغانيها التى أثَّرت – وما تزال – في الوجدان العربى حتى الآن.
فأم كلثوم مُلهِمة وملهَمة، توافرت عوامل العبقرية الغنائية في صوتها المتفرد، وشخصيتها القوية الذكية.
ويأخذ الفصل الأول عنواناً جميلاً هو: نسيم الفجر الأخضر ليربط عصر أم كلثوم بمولد عدد من أهم رموز مصر في الأدب والفن والعلوم، جسدتها علامات التوهج والتألق في شخصية أم كلثوم في مطلع القرن العشرين(1).
ويربط الكاتب بين مولد أم كلثوم في ريف مصر وبين عنوان الفصل الأول، فقد وُلدت أم كلثوم وسط نفحات الرحيق الأخضر عنوان الريف المصرى (2).
ورحلة العظماء كأم كلثوم ليست سهلة؛ فقد واجهت صعوبات النشأة في مجتمع ريفي فقير. وكانت مصر في أواخر القرن التاسع عشر تعانى من عوامل الظلم والظلام الذى نتجت عنه بشائر النور بعد ثورة يوليو 1952 بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر. والشدائد التى أحاطت بأم كلثوم في بداياتها قد صقلت شخصيتها القوية وعزائمها وإرادتها الأصيلة في أن تسطر عبقريتها الفنية بصحائف من نور.
كان صوتها متفرداً منذ صغرها وقد نمت موهبتها في الغناء بعد مسيرة حافلة بالعمل والأمل في التألق والنجاح. قلما يجود التاريخ بمثل أم كلثوم سيدة الغناء العربى، وكوكب الشرق، وقد فاض كتاب الأستاذ معتز محسن برصد مسيرتها العظيمة في تطوير فن الغناء، وتشكيل الوجدان المصرى والعربى في حبه، واستلهام قصة حياة أم كلثوم مثلاً للسعى نحو تحقيق رسالة الفن في تأصيل الذات المصرية وقيمها وشخصيتها العريقة الضاربة بجذورها في عمق الحضارة الإنسانية.
وقد تناول هذا الكتاب تأثر أم كلثوم بأبيها، ونشأتها الدينية وبداياتها في إنشاد القصائد الدينية وتأثرها بكبار الملحنين في عصرها مثل أبو العلا محمد، وكان سبباً في استقدامها للقاهرة لتنطلق شهرتها وقد طبقت الآفاق.
أيضاً التقت أم كلثوم بالملحن الكبير زكريا أحمد، وبالشاعر أحمد رامى والملحن الكبير القصبجى ورياض السنباطى لتقدم هذه الكوكبة شعاع الفن الذى انطلقت بنوره أم كلثوم لتسطر بصوتها العبقري معالم الخلود.
ويرصد الكتاب رحلة أم كلثوم مع السينما من خلال أفلامها الشهيرة مثل “وداد”، وما ارتبط بهذه الأفلام من ألحان عذبة وأغنيات أصبحت علامة على أفلامها. ويتناول الكتاب دور أم كلثوم في تأسيس أول نقابة للموسيقيين، وفوزها في انتخاباتها نقيبة للموسيقيين دورات متتالية.
ولأم كلثوم دورها الوطنى الرائد في التبرع للمجهود الحربى بعد حرب يونيو 1967، وقد تمكنت من تجسيد صورة مصر بصوتها الصداح مسجلة مراحل الوطن بأحواله المختلفة معبرة عن تاريخ مصر في عصرها كما يشير إلى ذلك الأستاذ معتز محسن (3).
ومع ثورة مصر/ عبد الناصر عام 1952 أصبحت “ثومة” مطربة مصر الأولى، وصوتها المغرد مع الثورة في طفراتها وتحليقها إلى المجد المأمول على حد تعبير الكاتب (4).
وينتقل الكتاب إلى مرحلة غناء أم كلثوم بكلمات بيرم التونسى وتلحين محمد الموجى، ثم إلى لقاء السحاب مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، خاصة في أغنية “أنت عمرى”، ويسجل الكتاب قول عبد الوهاب عن أم كلثوم بأنها المُغنية الوحيدة التى جمعت بين القوة والحساسية في صوتها” (5).
ولعالم القوافي والألحان، وهو عنوان الفصل الثانى من هذا الكتاب شعريته وإلهامه وإبداعه وملحمته الفنية خلال نصف قرن كما يقرر المؤلف (6).
وهذا الموضوع تأسيس على موضوع الفصل الأول، وكان التفاعل بين أم كلثوم وكبار الملحنين والشعراء المفتاح السحرى في تلمس خطوات المجد، وفق مشوار فنى متطور متوافق مع معطيات المجتمع المصرى.
وقد بحث المؤلف مراحل فن أم كلثوم عبر تثقيفها موسيقيا وغنائيا، فضلا عن تواصلها مع كبار الساسة والمفكرين.
ويرى الكاتب أن مرحلة الثلاثينيات هى مرحلة التألق والتوهج لصوت أم كلثوم، ويرصد إبداعاتها الغنائية عبر المراحل المختلفة، مع ذكر أشهر أغانيها، خاصة “رق الحبيب” و”القلب يعشق كل جميل”، وقصائد أحمد شوقى، خاصة “ولد الهدى”.
وقد استمدت أم كلثوم ترقي أغانيها من ذائقة جمهورها، حتى وصلت في أواخر حياتها إلى منتهى النضج والتألق كما رأى المؤلف (7).
ونرى مع الاستاذ معتز محسن أن أم كلثوم تمثل حالة فريدة من انصهار النغمات بالكلمات (8).
ويشيد الكتاب بدور الملحن بليغ حمدي في روعة أغاني أم كلثوم من ألحانه إضافة إلى ما أضفاه الموسيقار محمد عبد الوهاب من إيقاع عصرى حديث مختلف عن السابق التقليدى الرصين.
وعنوان الفصل الثالث دال على هدف هذا الكتاب وجوهره، وهو: ذاكرة الروح والوطن، مُبينا أن أم كلثوم لم تكن مجرد مطربة، بل رمز وطنى وروحى، مؤكِّدة أن الفن رسالة حياة ووطن.
ويسرد الكتاب المحطات الوطنية لأم كلثوم، ومساعدتها في دعم قضايا الوطن والفن، وكأنها تحولت لأرشيف صوتى يؤرخ لمصر في أتراحها وأفراحها، خاصة في أغانيها الوطنية (9).
وقد كانت أم كلثوم ضمير أمة، وسفير مصر العالمي والعربي بمكانتها الكبيرة في كل مكان.
ويعد الفصل الرابع مفيدا للتعرف إلى المجهول من مسيرة حياة أم كلثوم، إذ يقول المؤلف إن حياتها ما زالت حافلة بالجديد والمجهول في حياتها الفنية والإنسانية (10).
من ذلك ممارسة أم كلثوم للتلحين، وتعلمها العزف على العود، وعزمها الذي لم يتم على تسجيل القرآن الكريم بصوتها، وغير ذلك من أخبار وأسرار غير مشهورة عند المتابعين لحياتها.
لقد تميزت أم كلثوم بعقلية متفردة وشخصية مؤثرة في وجدان الناس، والارتقاء بالذوق الفنى.
لقد أدت أغنيات أم كلثوم إلى تأصيل مشاعر الانتماء الدينى والوطنى، وارتقت بأغانيها العاطفية إلى أرقى المشاعر.
ونؤكد قول المؤلف بأنه إذا قيل للتاريخ اذكر امرأة واحدة هى الأشهر والأفضل في الغناء والطرب على مر الأجيال لقال في التو واللحظة: إنها سيدة الغناء العربى أم كلثوم صاحبة النبع المتدفق الجارى جريان النيل الخالد أبد الدهر.
1- معتز محسن، أم كلثوم صدى مصر الخالد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة عقول، 2024، ص9.
2- الكتاب السابق، ص11.
3- ص 29.
4- ص 32.
5- ص 35.
6- ص 39.
7- ص 50.
8- ص 50.
9- ص 68.
10- ص77 .

معتز محسن