لكلٍّ حصته من المأساة

لكلٍّ حصته من المأساة

اللوحة: الفنان  الأوزبكي أورال تنسيق باييف

سليم الشيخلي

الأيام تمر بأشكال مختلفة لكن رتابة حياتنا واحدة. شدنا الحنين إلى الأهل فقررنا الرحيل لنزورهم ونعود بعد شهر. غسلت روحي برائحتهم. كان فرحي كبيراً وأنا أرى الصغار بملابسهم الجديدة وهم يلعبون ببعض الألعاب التي جعلتهم لا يهتمون بي. زرت البصرة في ضيافة أم محمد، عادت معيإلى بغداد وعدنا من جديد إلى الساحة الهاشمية، نفس الغرفة وعمان نظيفة هادئة كما تركناها. نفس المكان، وجوه قديمة وأخرى جديدة تجلس هنا وهناك. ألقي القبض على جاسم بتهمة التهريب وسجن ثلاثة أشهر. عاد الشتاء القارس يدهم المدينة ويدخل نخاع العظم. الثلج الأبيض يغطي البيوت. اشتريت لحافاً ووضعت تحت فراشي الكثير من أوراق الكارتون ولبست ملابس كثيرة لأتقي البرد، لكنه كان دائماً الأقوى فانحنيت له ولرشقات المطر التي تأتي فجأة مثل رجال الجمارك الذين يجعلوننا نتقافز من أماكننا ونختبئ بين السيارات لنسمع كلمات بعض المارة الخشنة، تجاوزت المدة القانونية للإقامة الممنوحة لي فوجدت أن الماجدات جميعاً قد تجاوزن، إذاً حشر مع الناس عيد. “الحياة جميلة يا صاحبي” لا أعرف أي بطران قالها لكني بدأت أعيشها وأؤمن بها قليلاً قليلاً، فالناس هنا رغم الفقر يعيشون، وحالتي أحسن بكثير من حال من بقي داخل السجن الكبير. فلماذا الخوف. والأيام هنا تختلف في مساحة الأمن والنظام اللذين افتقدناهما منذ أن جاءت الدبابات تحمل بيان أول ثورة. الحاجات الضرورية رخيصة، الأطفال يلعبون، يملأون الساحة وفي أيديهم شكولاتة أو آيس كريم والآباء يتفرجون بفرح كبير، ليت أطفالي هنا، لكن جذور النخيل عميقة والشمس هناك معلقة على صليب.

أرسلت زوجة سعد رسالة تخبرني بها أنها تنوي الزواج، فقد تقدم لها أحد أقاربها الذي طلق زوجته مؤخراً، أحرقت كل الأزهار الصغيرة التيبدأت تتبرعم داخل نفسي. استشطت غضباً، بدأت أسبها وألعنها ناكرة الجميل، فوزية هذه، أتوسد الغربة وألتحف القسوة كي تأكل ثم تكافئني بالزواج،سأقلب الدنيا على رأسها، لم أستطع الجلوس في مكاني. كنت مثل قنبلة موقوتة لكن الهدف بعيد. حدود، غرامة، صحراء من جميع الجهات، أحسست بالطعنة والجرح في آن واحد وقيد ثقيل يمنع حركتي. سألقنها درساً ابنة الكلب هذه.

كانت أم محمد معي بكل جوارحها رغم صمتها الباسم صامتة تبحث عن خرم إبرة بارد لتدخل منه إلى أتوني. تظاهرت بأني نسيت الرسالة لكن الفرن داخلي يحرق الأفق والعجين، لملمت سجائري ونهضت.

–  إلى أين؟

– إلى البيت.

–  سآتيك بعد ساعة، أرجو أن لا تخرجي.

– وإلى أين أذهب!

– أعرف أن لديك رغبة في البكاء، ابكي كما تشائين، لكن لا تنسي أن تطبخي لنا العشاء مع قليل من دموعك فملحها لذيذ وصحي. قالتها وكأنها تصب فوق رأسي دلو ماء بارد.

استدرت عنها وجررت أقدامي وهزيمة جديدة تقتحمني. بكيت وأنا أطبخ رزاً ومرقاً. جاءت أم محمد، لم تكلمني، بل أرغمتني على تناول العشاء. كانت تأكل وعلى غير عادتها تتكلم عن أشياء أخرى. النيران تخمد، لكن الجمرات تظل متقّدة تحت الرماد. كنت أتوقعها ستقول رأيها لكنها آثرت أن تقول ما تريد في الوقت الذي تراه مناسباً. وبعد أن شربنا الشاي قالت:

– عيني.. أم حسين، لكل فرد حصته في الحياة وهذه البنت لم تأخذ إلا جزءاً مبتوراً من حصتها. لها روح ومشاعر، وليست ماكينة أكل تنتظر رحمتك. إنها تريد أن تستر نفسها بالزواج بدل أن تلبسكم ثوب العار وأنتم لا تعلمون، لماذا تحكمون عليها بالمؤبد. أو ليس من حقها أن يكون لها زوجيستر عليها، خيمة تستظل تحتها. انها أرض لم ينزل عليها مطر منذ سنين فتشققت. فكري بالأمر بعقلك لا بقلبك الذي أتعبته الأيام. وصدقيني أنها تريد الهرولة تحت خيمة الله وترفع جزءاً من معاناتك، إني أرى محاولة رد جميل تأتيك من الذين يحبونك.

–  لكنهم أولادي.

– أولادك، ليس هناك شك في ذلك، تصوري الكارثة التي ستحدث لو هربت معه. إنه يطرق الباب في وضح النهار، ويا حبذا لو سكن معك وتحت ناظريك، لقد رحلت أيام سود ويعرف الله وحده سوداوية القادمة، أعرفك متسامية على الأوجاع الصغيرة..

كانت كلماتها مثل طلقات قطفت عناقيد الغضب فقلت دون تفكير:

–  فلتتزوج إذاً، فكرة الهرب معه ستقتلني.

أرسلت لها رسالة بناء على طلب أم محمد أن تفعل ما تراه مناسباً تحت خيمة الله، فأخبرتني إنها اتفقت معه أن يكون الزواج بحضوري كي أبارك لهما وبدبلوماسية حوّلت انتفاضتي إلى تقدير.

ما تزال الأيام تمضي، تلوكنا بحرها وبردها، أصبحنا مثل كسر لأغنية قديمة، أواني خزفية من زمن الطوفان، أخاديد تحت العينين، الشعر الأبيضيحتل مساحات أكثر، الابتسامات تهرب كالظباء أمامنا، كرامة اغتالها القصف الأمريكي والقصف الوطني فتجمعت عند حافات الذاكرة كمياه آسنة. ماجدات هنا يبعن أشياء عديدة. اللعنة على هذا الزمن الذي يلعب معنا لعبة الحرب والحرائق فافتقدنا الكرامة والاعتزاز بالنفس رغم توغلنا في رحم التاريخ والحضارة. تهنا ونحن نتجه في سيرنا نحو عبادة الإله الفرد الأوحد.

ها هي الساحة الهاشمية تلمنا كظاهرة غير حضارية، طابور من عباءات سود أمامهن سجائر مهربة ينتهي عند صندوق القمامة. دوريات شرطة الجمارك تطاردنا كالفئران فنهرب تاركين كسراً من عرقنا المالح وما تبقى لنا من كينونة هشة. أو قد تغض الطرف عنا أحياناً. عمان رغم ذلك قريبة من القلب تنط فيه مثل طفلة تلعب معي فتدغدغني. فكرت بالعودة إلى بغداد لكن غرامة مخالفة الإقامة وصلت إلى ما يقارب الخمسمائة دينار، أي ما يساويأكثر من ميلوني دينار عراقي فاستأنست أني أصبحت ماكنة لبيع السجائر .

–  لا.. أحول المبلغ إلى أهلي ليصبحوا فيه من أصحاب الملايين ولأبقى وديعة إلى أن يشاء الله.

ظلت البقرة تدير الساقية، تشتري، تبيع، تربح، تحول عرقها إلى أوراق نقدية، يأكلون. لم أبدل مكان بسطتي، أقدام تمر مسرعة نحو مصائر مختلفة، الرؤوس جافة كالأيام، شفاه إما مطبقة أو تتمتم بأشيائها،عالم لا يهدأ بأشكاله، ألوان معاناته. تسمرت عيناي على حذاء جميل، رفعت رأسيببطء، يصطدم نظري بأناقة بسيطة تحت عباءة جديدة، اشرأب عنقي على ميناء أسمر تفوح منه رائحة عافية حزينة وعطر لم أشمه طيلة حياتي،ابتسمت فأضاف الغروب ألقاً.

– مساء الخير.

– مساء النور عيوني.

– الأخت عراقية؟

– نعم.

– كيف حالكم؟

– عايشين بالرحمة.

– الله يساعدكم.

– الله يخليك. أنت من أين؟

– كويتية.

لبستني رهبة أخرست لساني وشلت حركتي فقلت بصعوبة:

– انتو اشلونكم، الله يساعدكم، أختي والله مو احنه.

– انتو مو بيدكم، الله يساعد الجميع وينتقم من الظالم.

تمنيت أن أهب على قدمي واحتضنها فلم أقو على الحركة، ظلت تمطر طيباً يتساقط كالندى على جسدي فيغسله.تحدثت عن الصبر، الاعتماد على الله لتفتح كوىً للأمل وأشياء تناسيتها، احتوتني فجأة ففتحت أبواباً للنور. أي امرأة أحسب أن تكرهني أو تتفرج شامتة لما آل إليه مصيرنا، تصفيحساباً، أراها تسمو فوق جراح كجروحي شدة وإيلاماً. لحظت حيرتي فبادرت:

–  أود سؤالك بشيء خاص.

–  تفضلي ومن عيني الجواب إن شاء الله.

– كيف حال ولدي؟

– لا أعرفه. أجبت بسرعة.

–  إنه أسير في العراق.

طفرت دموع من عيني والتقت مع دموعها في جدول يتيم، بدأ كلي يردد “الله يساعدك”  التفت إلى أم محمد، كانت حدقاتها خط استواء ملتهب توزعه بيننا. لم يعد للحوار معنى، بدأ الحزن يطلق ألعابه النارية فتسقط شلالات من الأسى تحاكم التاريخ. اعتذرت إنها أججت نيراناً خامدة داخلنا وبعد إلحاح تركت أوراقاً مالية ثم تحركت لتختلط بزحمة الطريق. ركضت وراءها لأعيد لها ما تركت بين يدي فابتلعتنا الزحمة.

– جاءت تشم رائحة ابنها الأسير، علها تصل إلى الأردن.

–  لم أظفر بها لأرد لها النقود.

تزوجت فوزية منذ فترة بعد أن يئست من مجيئي إليهم، وبعد فترة رزقت بطفل أسموه سعداً. همهمات، ثم على صفحات الجرائد.. حسين كامل وأخوه هربا إلى الأردن مع زوجتيهما ابنتي الرئيس.

– حرامي، سرق فلوس وهرب بها.

– لا.. خاف أن يقتله عدي فنفد بجلده.

– تمثيلية لكشف المعارضة العراقية الموجودة في الأردن.

– العقارب تلدغ نفسها.

تفسيرات عديدة تتناثر مثل المفرقعات هنا وهناك لكن صدى الأغنية البغدادية القديمة رن في أذني “أريد الله يبين حوبتي بيهم“.

– وما دخلنا. أنحن الذين اخترناهم؟ جاءت بهم دبابة إلى كرسي الحكم ومثلها طردتهم لاهثين من الكويت. ثم من يهتم برأينا.

– لكنك كنت عضوا في اتحاد النساء.

–  الشمس لا تغطى بغربال يا أم حسين ولو لم أنتمِ للحزب لداستني الأقدام، وأكرر لك ويشهد الله أني لم أظلم أحداً في حياتي بوشاية أو تقرير.

لا أنكر أني كنت فرحة، فها هو سهم ينفذ إلى قلب هُبل الحجري، ليحزن ولو لمرة واحدة بصدق، لقد جعل الحزن راية سوداء ترفرف فوق كل بيت عراقي. أدخلنا حروباً لا يمكن للشياطين أن تكتب أحداثها. أطعمنا الذل فليجرعه مرة، ابتسامات ماكرة ترتسم على وجوه الماجدات الملفوفات بعباءاتهن الممزقة.

– ظهر أمس في مؤتمر صحفي وكشف عن الظلم الذي تمارسه الدولة ضد الناس.

– ألم يكن أحد رموزها وأدواتها المنفذة؟ ألم ير الدماء التي سالت بين أصابعه خلال مؤتمره الصحفي؟

– يريد الذهاب إلى الكويت أو السعودية.

– ليذهب إلى الجحيم.

وتهدأ الزوبعة بين أفراد عصابته بالذات. ومن قتل يقتل، أو يهرب. شروخ عديدة في واجهات الطبقة الحاكمة والناس تئن من السياط الكهربائية وأحواض الأسيد. الخوف خيوط عنكبوت تخفي وجه بغداد الحزينة. بعد سنوات من الحصار القاتل ووفود من الأمم المتحدة تجيء وتغادر عاصمة الموت المعلن بالمجان يوافق هُبل على اتفاقية النفط بدل الدمار ليهبط الدولار إلى سعر تهبط فيه جميع أسعار المواد الغذائية. تنفست الصعداء معها الجماهير المكبوتة الجائعة لفترة قصيرة.


رفيقتان في غربة

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.