الشقاق الأخرس

الشقاق الأخرس

اللوحة: الفنان العراقي سنان حسين

يتخيل الشاب فتاة أحلامه وثمرة زواجه بالألوان الطبيعية، وتظل ألوانها زاهية ورائحتها ساحرة في خياله حتى يتحقق الحلم، وبمرور الأيام تبهت الألوان ويقع في فخ الاعتياد، فالزواج ليس عملية وضع مفتاح في خزانة فتفتح ويلتقط جواهرها، ولكن رحلة مشتركة يكافح الزوجان معا وتدور عجلة الحب والسعادة وجني الثمار.

يتزوج المرء من يختارها بعناية، ويفرح بعروسته، ينجب وينجب وينجب وربما ينجب الطفل الرابع، ثم فجأة تَسقط من كيسه فرحته بالزوجة والأولاد، الطفل قد يَصرخ ويبكي طلبا للعبة رَغِبها لنفسه، وقد يَكسرها في دقائق قليلة، ولا يبكي عليها، لكن لو نظر إلى ألف لعبة سيبكي رَغبة في الحصول عليها.. “عايز من ده يا بابا”.

الزوج الذي قطع أشواطا طويلة لينال زوجة وأولاد وبنات، تتبدل أهدافه ويتراجع للوراء بعيدا عن هدف الزوجة والأولاد والهناء الأسري. 

يصبح شرها للمال فيبخل على أسرته. 

يصبح زائغ العين فيطمع في تعدد العلاقات النسائية.

يصبح عصبيا عنيفا ملولا.

يطمع أهله في ماله ورعايته، فينفق عليهم منهما ويخل بميزان العدل بينهم وبين زوجته وأبنائه.

الزوجة بنت الناس الطيبين الشبعانين، تتلون بعقدة زوجها ونزواته.

 فإن عَشِقَ المال، تُمسك وتهتم بالمال، وإن عشق النساء، تؤلمها الإهانة ويوسوس الشيطان لها بالانتقام، وإن كان عصبيا عنيفا؛ تصبح شعنونة ومجنونة ونكدية وسليطة اللسان، فيوبخها لعصبيتها وانفلات لسانها،

ويتجاهل أنه الذي شوهها وأفسدها، وإن استرده أهله، تصبح أسيرة لعبة القط والفأر وتغوص في بئر التحامل والتربص بينها وبين أهله، أما الأبناء، فلا عدد للعقد التي يتشربوها، كبت ومقارنة بالآخرين وعصبية منفلتة مع قسوة، أو جبن مع خبث.

وكل هذا لأن كثيرا من الأزواج لم يكونوا صالحين للزواج.. كانوا فاهمين نفسهم غلط!.. الخلل في الصلاحية النفسية.. يوصد البيوت على عاهات تتحكم في أبرياء.

يجب أن يسبق عقد الزواج اختبار نفسي عند متخصص بارع، هذا هو المأذون الأول الذي يتقدم على المأذون الشرعي، وسوف يرسب في الاختبار أعداد كثيرة، وبهذا نوفر على بناتنا البلاوي والعاهات وقصص الانتحار وقتل الأزواج والزوجات والأولاد التي نصعق لغرابتها، ولكنها نتائج لأوضاع شاذة.

مصطلح “الشقاق الأخرس” من بنات أفكاري، ويعبر عن الخلافات الزوجية الحادة، فقد شهدت كثيرا منها، ورغم كثرة الحكايات والشِكَايات والدراما، خرجت من جميع الجلسات وتتراقص فوق رأسي سحائِب ضبابية من الحيرة، وكأنني قرأت ألاف الصفحات دون أن أفهم كلمة واحدة، فتغمرني مشاعر الإحباط وإحساسيس الغباء.

العلاقات الزوجية شديدة الحساسية وأساس تركيبها وجوهر روحها يعلو على البوح، ولهذا حين تبلغ مرحلة تتطلب تدخل الآخرين، لا تنفع الكلمات المباشرة، فالنظرات التي تخرج من العين سواء مع الكلام أو الصمت تحمل لغة سرية، وكذلك الإبتسامة والعتاب واللوم أو التوبيخ.

تُسأل (المرأة/ الرجل) مائة مرة عن سبب حزنها وغضبها، فتحكي ألف حكاية، وقد تكون كلها صادقة، ولكنها بعيدة عن السبب الحقيقي للشقاق.

كيف تنطق بأنه في نومه لم يعد يضع يده على كتفها كلما تقلب، وكأنه يتعمد ألا يتخطى السور الوهمي الذي بٌني بينهما، وحين تقترب وتضع يدها على كتفه ينزلق بهدوء ويتزحزح بعيدا، وحين تسأله ينكر ويستهين بكلامها ويعاود متكلفا وضع يده، ثم يعود مرتدا بعيدا حتى ظنت أنه يعيش في بلد ودنيا أخرى بعيدة، هل هذا كلام يقال؟

هذا مثال من ملايين الأمثلة التي لا يمكن أن يبوح بها الأزواج، ولكنها تنبع من الرباط المقدس والميثاق الغليظ المكتوب بشفرة خاصة بهما.

ولا تصلح تلك النصيحة الفاشلة والمختَزِلة: قل لها كلمتين حلوين.

المتابع لمباراة الشطرنج من الخارج هو الأقدر على رؤية أفضل، وفي الحياة عندما يحدث اضطرابات ومشكلات، فهذا يعني تأثير ضاغط ومشتت على الفرد، مثل تأثير “البرودة والحرارة والرياح والأمطار” على الإنسان، فتؤثر في قدرته على “التفكير والتحليل والحكم والقرار”.. لا بد أن يساعده أشخاص مؤهلون وغير خاضعين لضغوط مماثلة، وينظرون إلى رقعة الشطرنج من الخارج.

في الغرب عندما يريد أحد الزوجين الانفصال، يقول للطرف الآخر: “أريد أنْ نذهب لاستشاري أسرة”، وهذا يعني جلوسهما متجاورين على مقعد أمام متخصص، يُدير دفة الحديث، بهدف:

  1. أن يفهم المتخصص الزوجين.
  2. أن يساعد كل طرف أن يفهم نفسه.
  3. أن يساعد كل طرف أن يفهم الآخر.

ثم ينتهي الأمر بمصالحة بين الزوجين أو فراق بسلام.

لا بد أن نعترف أن الظروف الحالية في هذا العالم المعقد، أصبحت فوق طاقة ووعي وعاطفة ونفسية الإنسان، كوكب الأرض في آخر خمسين عام حاز إمكانات هائلة، ولَّدت مشاكل أسطورية، ومع ذلك؛

البشر هم نفس البشر الذين كانوا على الكوكب قبل تلك القفزة، لم يصبحوا بشرا سوبر لكي يكونوا في مستوى الإمكانات السوبر. ولهذا وجب الاستعانة بصديق، وهو طبيب الأسرة.

يبهرني القرآن الكريم بانفراده بتعبيرات ومصطلحات، لا يمكن الاحاطة بقدر الإبداع فيها، ومنها الآية الكريمة: “وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ” يصف تلك اللحظة التي يساوم الطرفان اللذان جمعهما رباط مقدس، غالبا ما يكون الشح من الرجل، ونادرا ما يكون من المرأة، الشح الذي ينبع من بوتقة الأنا، يكون مفاجأة للجميع، فقد كانا عنوانا للحب والود والإيثار، كيف انقلب الحال؟

يبرز الشح مع قرار الفراق، ينبت مثل دود الأرض، جرثومة كامنة، كما أن دود الأرض ينبت مع موت الإنسان وسكون الدم، تنبت دودة الشح حين يسقط عليها أمطار النفور والشقاق، الفراق امتحان كاشف، يُبرز الأصيل من الوضيع، فالأصيل يحب ويحترم ويشكر ويمدح ويلين، والوضيع يذم ويوبخ ويفتري ويتصلب.

وما أكثر الأشِحَّاء وما أندر النبلاء.

فقرة من كتاب مصطفى (أيها السادة أخلعوا الأقنعة): “ولم يذكر عمدة برلين سببا كان هو السبب الأول وراء رعب الشباب من الزواج، هو قيود الطلاق وقانون الأحوال الشخصية الألماني، الذي يقضي للمرأة في حال طلاقها بمناصفة الرجل كل ما يملك من أموال وأرصدة في البنوك وعقارات، بالإضافة إلى حق النصف في ربح الشركة إذا كان يملك شركة، وربح العيادة إذا كان يملك عيادة، ودخل المستشفى إذا كان يمتلك مستشفى، ومعنى ذلك أن تناصفه كفاحه وتاريخه دون أن تكون زوجة أو حتى قرينا متعاطفا، وإنما مطلقة رافضة له مرفوضة منه، فارقته وفارقها بعد شقاق وسوء عشرة لا أمل فيه”.

في هذه الفقرة يحذر من خطر الانقراض الذي يهددهم، فالأسرة الأوربية تم تفتيتها تماما وبلا رجعة، لم تعد الأسرة تُعرف برجل وامرأة وأولاد، بل تم تسييل المصطلح ليدل على زوج من بني آدم وفقط، وأصبح النموذج المفضل للأفلام الأجنبية في أغلبها الأسرة المكونة من رجل ورجل، ثم أصبح أغلب شركاء الحياة قططا وكلابا وطيورا. ففي الفيلم تقول المرأة للكلب بنتي وابني.

تنبَّه بعض البلاد الأوربية إلى تعيين وزير للعزاب والأرامل والمطلقين، لأنهم اكتشفوا أن ما يقرب من 40% من الناس يعيشون بمفردهم، فقامت إنجلترا عام 2018 بتعيين وزيرا للعزلة أو الوحدة.

هذه الفقرة تجعلنا نجدد الشعور بالنعمة التي في بلادنا، نعمة الأسرة والأُنس والود والرباط العائلي، فنحافظ عليه ونحرص على سلامته.

الخلاف والشقاق يحتاج ردود أفعال مختلفة، يجب أن نبحث عن حلول كألوان الطيف ما بين الأبيض والأسود، لا بد من مُبادِرِين لنحت حلول مختلفة، حلول وسط.

أتذكر قصة للمفكر “عبد الوهاب مطاوع” في بريد الأخبار، رجل متزوج ولديه أبناء وبنات، وحدث تغير حاد في مزاج زوجته حتى أصبح لا يقدر على الاستمرار، فما كان منه إلا أن اجتهد لتأجير شقة في نفس المبنى الذي يسكن فيه أبنائه، وقام بتوفير أثاث مناسب يمكنه من الحياة فيها، وأصبح يقضي معظم وقته في هذه الشقة، أصبح الأمر أشبه بالطلاق العاطفي، وييسر له استمرار تواجده في حياة أولاده وفي نفس الوقت قل الاحتكاك بينه وبين زوجته، وهدأت الزوجة وارتاح الجميع بهذا الحل الوسط.

ومن القصص المدهشة التي سمعتها، رجلا أربعيني وله أولاد، اقترب الخلاف بينه وبين زوجته من مرحلة الطلاق، ولكنه لم يستطع التهور بقرار يؤذي أولاده وزوجته، فبحث عن عروس تطلقت بسبب عدم القدرة على الإنجاب، وأثناء التعارف أخبرها أنه لن يطلق زوجته ولكن سوف يتزوج في بيت قريب من أولاده، وأنه يتمنى أن تحاول زوجته الثانية معه بكافة الوسائل أن تكسب قلب الزوجة الأولى ويصبحا أصدقاء، وأقر بأنَّ هذا صعب ولكن كلاهما سيكافح لهذا الهدف الصعب، ولم يكن الأمر سهلا وتطلب صبرا طويلا وزيارات متكررة وتغاضي عن التصرفات الصغيرة والمشاعر السيئة والمتحاملة، وأخيرا وجدت الزوجة الأولى أن علاقتها بزوجها أصبحت أسهل وأقل حدة، ولم تجد تهديدا في الزوجة الثانية، فهي لن تنجب، بل لاحظت انها تقترب من أولادها وتساعدهم بحماس وحنان، فقد توفر لها قناة تُفرغ فيها عاطفة الأمومة، وقبل مرور سنتين عرضت الزوجة الأولى أن تسكن الزوجة الثانية معهم، ووافق الجميع وعاشوا في سعادة وهناء.

هذا بالضبط ما يحتاجه المجتمع المصري، حلول خارج الصندوق، وفي نفس الوقت حلول لا تَجرح ولا تُبعد، ولكن تداوي وتُقَرِّب، فالطلاق ليس الحل الوحيد، والنفور بين الضرائر ليس قانونا أبديا، والأبدي هو السعي لراحة الجميع وسعادتهم مهما كانت الظروف.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.