اللوحة: الفنان الأميركي إيريك ترنر
خالد جهاد

أتحدث إلى نفسي بصوتٍ عالٍ.. أحلق ذقني دون أن أنظر إلى المرآة.. ودون أن يختلط دمي ودموعي بوجهي الذي تركته منذ ثلاثين عاماً.. اسمي ليس ذلك المكتوب في شهادة الميلاد.. ولدت قبل أن يحتويني رحم.. ولا أحد يعرف كم أبلغ من العمر.. الألوان في لوحتي سرية.. الشخصيات في روايتي بكماء.. أنسج من عتمتي حواراً يليق بوحدتها وهي التي لم تجد كتفاً تنام عليه ولا لغةً تتسع لحزنها الشاسع كشعرٍ ملحمي..
ألتصق بسقف غرفتي كلما راودني الحنين إلى النوم.. لا فراش لي سوى حلمي.. شهدت ألف حربٍ نجا منها جسدي لكن روحي لم تعد منها بعد.. أعيش خارج الزمن.. أتمرد عليه تماماً بقدر ما أتناغم معه.. أقول نصف الحقيقة وأدخر البقية لأيامٍ قد لا أجدها فيها.. أخاف منها بقدر محبتي لها.. أبكي عليها وأرحل في صمتٍ وخجل.. تاركاً بعضاً مني.. معها إلى الأبد..
أعرف كم الأقنعة من حولي.. ولا أشغل نفسي بعدّها.. الكذب أمر واقع.. مسار إجباري نحو غدٍ بلا ملامح.. لا زرقة فيه لبحرٍ أو سماء.. لا حنين فيه لأمسٍ بات صورةً عن اليوم.. تنزف المشاعر فيه دون وجع.. يسكن الحياد فيه أكثر اللحظات دفئاً.. ونتمنى شيئًا من ألمٍ يعيد لنا صلتنا بالذات.. ينزع الأغطية عن مقاعدنا التي هجرناها.. يتلمس بشرتنا بحنانٍ كشمس الصباح.. يصافح الأزهار حول شرفتنا التي رحلت وأخذت أيامنا معها.. لتترك الذكرى والصمت وطرقات الريح على أبوابٍ صدئت مفاتيحها وتبخر العطر عن ثياب أصحابها والزوايا التي ضحكوا فيها..
أقاوم ما يقوله الناس في زمنٍ لا معنى للكلمات فيه.. أراقب عبثية المشهد.. بين دماءٍ تسيل في صمتٍ تبدده قبلاتٌ حميمة، وغضبٍ يستتر خلف ابتساماتٍ خبيثة.. الحب والأقلام فيه برسم البيع.. العناق والدمعة فيه برسم البيع.. الذكرى والحرمات فيه برسم البيع.. الماضي لم يعد ملكاً لأصحابه.. الخرافات ترتدي ثياباً عصرية وللحكايات نسخة أخرى تشبه هذا الزمن.. ليلى تلعب الورق مع الذئب.. السندباد لا يفي بوعوده.. وبساط الريح مجرد قطعة أثاث.. (يقتنيها) الجميع بعد أن (ملّوا) من مواكبة كل جديد..
الأضداد تراقص بعضها البعض وسط صخب الهمس الآثم.. تلفظ الأفاعي سمومها على جدرانٍ بيضاء لم تحتضن يوماً سوى صور أحبتها.. تزرع أكاذيبها تحت جنح الظلام.. وتختفي.. الكل يلوم الكل.. حتى الظلال لم تنجو من الملامة.. ولا يبقى من المعركة سوى شيءٍ من السراب.. سوى بضعة أسماء.. لأبطالٍ وهميين، يقفون بلا معنى في منتصف كل شيء.. كفزاعةِ حقلٍ أنيقة تهزأ بها الطيور والعقول.. يلح على الكثيرين أسئلة لا جواب أكيد لها.. أين نحن؟ من هؤلاء؟ أين ذهب أحباؤنا؟ ولماذا حدث كل ذلك؟