كتابات فوق صفحة البحر 

كتابات فوق صفحة البحر 

اللوحة: الفنان العراقي منعم الحيالي

محمد محمود غدية

مرمرية التكوين ذات بهاء واكتمال، فواحة الحضور، سحرها يسافر في دمه، ليست كالأخريات مجرد محطة في حياته، لكنها وطن، ما اسرع انتشارها في نفسه، عبثا يحاول غسلها من واقعه، دون جدوى، تغمره بالحنان وتغرس الزهور في حدائق ايامه، يريد الآن ان يتمدد ويتمطى ويهرب من حرارة الشمس، الى حيث الامسيات الهامسة، يشرب اشعة القمر ويرتوي بالضوء، بعد ان تكثفت العتمة بين ضلوعه، وهو يرى الناس من حوله، يزرعون الاشجار ثم يقتلعونها، ويقيمون بدلا منها كتلا اسمنتية صماء، يلدون الاطفال ويقتلونهم بالفيروسات المخلقة والحروب، شارف الليل على الرحيل الا قليلا، يلملم ملامحها في عينه لتسقي جفاف روحه، خلخلته واحدثت الفوضى في المسافة ما بين عقله وقلبه!

 تلوح كالحلم.. كالطيف.. كنسمة منعشة، مثل نورس يفرد اجنحته القا ويداعبه، ثم يواصل تحليقه وابتعاده، يشرد ببصره وخواطره على امتداد صفحة البحر، الاضواء المنعكسة عليه متراقصة، يحتاجها مثل بحر يغسله، ويزيح ركام الاحزان، يغضبان ويصرخان ويبكيان ثم يتعانقان، حزنها يربك التقويم في بوصلة ايامه، حاول العيش دونها، مرت الايام بطيئة موحشة، تعاقبت الليالي معتمة باردة لا إثر فيها للقمر، كان قلبه غافيا يستريح من الاوجاع، بعد رحيل امه التي كانت تخزن ماء البحر بعينيها، بمثابة ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر، لا يصدق موت العصافير والاغنيات، يحتاج لامرأة تخرج من شذا الياسمين ومن زبد البحر، يشرب الشعر من وجهها الصبوح، ويورق ماء قصائده من بوح عينيها.

الكنز

عاودتها آلام الكلى، بكت بشدة حين تذكرت زوجها الذي رحل فجأة دون مقدمات لمرض، كان خفيفا كالنسمة لطيف المعشر، ابتسمت حين تذكرت دعاباته قائلا:

كل من يراك في صحبة ابنتك يقول عليكم: أخوات!

 تعيش الوحدة وتتجرع المرارة دونه، حتى الأبناء زياراتهم متباعدة، كل منهم مشغول بأسرته، حتى الهاتف أصابه الصمت، حجرات المنزل تضيق بها إلى حد الاختناق.. الشيخوخة أقعدتها وأثقلت قدميها، وكأنه لا يكفيها الضجر والوحدة، الأبناء هم الثروة والدفء والأمان والونس، تفتح ألبوم الذكرى تراهم يتقافزون حولها تدمع عيناها، تساقطت منهم المودات والحب وأبدا لم يقل حبها لهم.

قررت أن تهاتفهم لابد من حضورهم لأمر هام لا يحتمل التأجيل.وبالفعل حضر الجميع؛ الأولاد والبنات والأحفاد.. قالت لهم: طلبت رؤيتكم لتكتحل عيوني بكم قبل مغادرتي الدنيا، طلبت رؤية ابنتها الكبيرة وحدها، فقد خصتها بمفتاح الكنز الذي حفظته سنوات لأجلها على أن لا تخبر أخواتها بهذا السر، ومقالته لابنتها الكبيرة، قالته لباقي أولادها، والاحتفاظ بالسر الذى لا يعرفه الأبناء، فالأم استخرجت نسخ عديدة لمفتاح الكنز، تحول المنزل إلى خلية نحل، كيف لا وكل منهم يرى أن الأم خصته بالكنز وحده دون الآخرين!

 يحاولون جاهدين كسب رضا الأم للفوز بالكنز، يتسابقون في إعداد الطعام وشراء الدواء.. امتلأ البيت بالدفء، وتسرب الملل والضجر.

وترحل الأم في سلام بين دفء الأبناء، وكانت المفاجأة في تجمعهم أمام الكنز، واكتشافهم أنه لم يكن سرا، الجميع يحمل نفس المفتاح، الكنز عبارة عن صندوق كبير بداخله مصحف ورسالة اعتذار لطلبها رؤيتهم لتأنس بهم، على أن يتحابوا ويقتربوا بعضهم من بعض، الإنسان حين يصيبه جرح، يصرخ مناديا: أخ!.. الإخوة هي الرابطة التي لا تعوض وحزمة الأمان.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.