نعبر الجسر فتبدو «الرمادي» نائمة

نعبر الجسر فتبدو «الرمادي» نائمة

اللوحة: الفنان الروسي قسطنطين كوروفين

سليم الشيخلي

أصدرت الحكومة الأردنية قراراً بعدم تغريم الراغبين بالعودة إلى العراق شرط أن لا يدخل الأردن إلا بعد أربع سنوات. تذكرت الأيام الخوالي، هل ستعود أيام زمان بمآذنها وروائح أزقتها وينتهي هذا الكابوس فأجد نفسي في مطبخ داري أعد الفطور للصغار أو أودعهم عند الباب ذاهبين إلى المدرسة، قديسقط القدح الزجاجي من يدي ويرتطم بالأرض، أجفل ثم ابتسم، أتمتم “انكسر الشر“. أحمل مكنسة صغيرة ألملم بها قطع الزجاج المتناثرة. أقفز هنا وهناك. أحسست أن صوتاً يهتف بي من الداخل صارخاً “أزف الرحيل” فقررت أن أرحل، لم أنم تلك الليلة. قبل أذان الفجر بقليل وافقت أم محمد على العودة معي. كان أول عمل نقوم به صبيحة اليوم التالي بيع ما تبقى لدينا من سجائر. في الحادية عشرة والنصف نستأجر لأول مرة تكسي ينقلنا إلى وزارة الداخلية. سألنا الموظف الذي لم يبتسم طيلة حياته عن الإجراءات.

– املأوا الاستمارات مع صور الجواز وأتوني بها.

بعد التدقيق في كل ما طلب منا أعطانا إيصالاً وطلب المجيء بعد أربعة أيام. أربعة أيام عمّانية، إجازة بعد كد عمر طويل. أحسست أني عدت إلى الوراء عشرات السنين عصفور بحجم امرأة. قررنا أن نرفه عن أنفسنا. أكلنا كباباً، منسفاً، تنزهنا في عمان وخارجها، زرنا أهل الكهف، السلط، أضرحة الصحابة جعفر الطيار، زيد بن حارثة، عبد الله بن رواحة، البحر الميت وأماكن أخرى، كأننا فتاتان في ريعان صباهما تدخلان فجأة إلى فردوس كان مفقوداً. إحساس بالعافية يعود إلى الذاكرة. ودعنا بعض المعارف الذين آثروا التريث حتى يبدأ توزيع الطعام بدل النفط. لم يعد النوم ضرورة، خرجنا مساء إلى الساحة الهاشمية، رأيناها بعيون جديدة، عيون مودعة شاكرة لها سنوات وهي تلمنا بين أضلاعها، نودع الصقيع والثلوج والهرب بين سيارات السرفيس من رجال الجمارك.

“غداً سنسافر” كنت أقولها كل لحظة للماجدات، لصندوق القمامة الكبير، بائعي الفلافل، المدرج الروماني، شرطة الجمارك، أشجار الزيتون، غرفتنا الصغيرة وحصى الطريق. تعتريني حالة من اللاثبات تكون روحي فيها ذهبت قبلي وتركتني جسداً يهذي. شمس دافئة، الربيع يهدي أزهاره للمدينة،قلبي يدق بسرعة غير مصدق أن العودة باتت قريبة جداً. سأشم رائحة بيتنا وأملأ بها صدري، رائحة حسين وسعد في أعناق الصغار، سأحسب عدد طابوق كل جدار. نظرت إلى وجهي في المرآة المكسورة، طفلة اشترت ملابس العيد لكنه سيأتي غداً فابتسمت بصدق عفوي. دعتني أم محمد إلى النوم مبكراً فغداً تبدأ رحلتنا إلى المدينة التي أصبحت لطول الغياب حلماً. لم أستطع النوم. خرجت إلى الباحة الصغيرة وتحت ضوء القمر الفضي رحلت إلى باحة دارنا على حصان مجنح، كيف سألقى الصغار؟. كيف سألقى سعداً. شكله، لن أفرق بينه وبين أولادي. جاءت أم محمد ورائي، سحبتني بهدوء إلى الغرفة، تحررت من جلبابي وعلقته خوف أن ينكمش أكثر لأني سأسافر به غداً.

–  لا أقدر على النوم.

–  لا بد منه، غداً أمامنا تسوّق كثير وتعب طريق أكثر.

أكوام من كراتين مشدودة بالحبال، شوالات، أكياس نايلون كبيرة مكومة في باحة الدار، حوائجنا التي ستذهب معنا، سنفرح بها الصغار والكبار. آخر فطور عملته أم محمد، أخرجنا جزءاً من حوائجنا إلى مكتب السفريات، عدنا من جديد لأخذ ما تبقى، سيارة كبيرة صوت موتورها مصاب بزكام مزمن،وبعد سبع ساعات كنا نغادر آخر نقطة أردنية، وداعاً عمان، أيتها الخيمة الكبيرة.

–  الله يحفظه، صورته هنا أجمل وأكبر من تلك التي قرب دارنا.

لكزتني بكوعها وهمست:

– كوني حذرة إنا ندخل من جديد عنق الزجاجة الصدئ

الساعة لا تقف عند حد في العراق، لم يهدأ منذ بدء الخليقة فعلى أرضه قتل هابيل، ودفنت أكوام بشرية لم تحمل أرقاماً. كانت هناك قرية صغيرة اسمها كربلاء تمددت لتصبح خارطة الوطن كله، وعندما تفتح السماء أبوابها تهاجر القرى البائسة من مكانها وتبدل أسماءها، تقاويم السلالات، عناد جلجامش وقصائد السياب.

ثلاث ساعات من التفتيش عند نقطة الحدود، لتكن عشراً فرائحة الهواء عراقية، ومن جديد يشق الباص جوف الصحراء التي تبدل فيها طعم الهواء، لون الليل، عبق المساء وحميمية الانتماء. لم أنم طيلة تلك الليلة رغم أن أم محمد غطت في سبات عميق. بدأ الفجر بالانبلاج، اللون الرمادي يجيء من الشرق، الأفق بدأ يستيقظ. نعبر جسراً فتبدو مدينة الرمادي نائمة، مع كل استدارة عجلات السيارة أقترب من بيتي، من مدينتي الخالدة بين رفوف كتب التاريخ والمطعونة بآلاف من هولاكو الذين يحملون بطاقتها المدنية، أحس بتعب شديد، ضوء الصباح الهادئ يحرق عيوني، ألم في كل مكان من جسدي. نقطة تفتيش أبو غريب، يصعد شرطي يسأل عن الجوازات ثم يعيدها، نظر في الركاب متأملاً، أحس بستارة النعاس أمامه فسأل عن خبز يفطر به مع زملائه فانهالت عليه الأطعمة، أخذ ما يملأ كفيه شاكراً. حين تحركت السيارة ودخلت شوارع بغداد أحسست ثقل جفني، رخو أعصابي، اختفاء صوتي فاستسلمت للنوم.


لكلٍّ حصته من المأساة

رأي واحد على “نعبر الجسر فتبدو «الرمادي» نائمة

  1. لوحة انسانيّة رائعة.
    تفيض بالحنين والوجدانيّة.
    ورائحة الكتب القدبمة.
    والمشاعر المخضّبة بعطر الذكريت الغالية..
    لا حرمنا اوطننا ولا بيوتنا.
    عودة مباركة لكلّ الغيّاب.

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.