اللوحة: الفنان السوري محمد عبيد
السعيد عبد الكريم

كان النيل يمر كتوما
والولد القابعُ للصور التذكارية
يرقب هدأته
والبنت الغجرية تخلع معطفها
وتطير أفراخ يمام للبريةِ
كنت أنا في آخر جنبات اللوحةِ
استجلي نوبات غيابي
وأسرب وجهي لنخاعي
وأصادق سوسنةً
وأقدم للنيل قرابيني
كيف إذن تفجؤني البنت الغجرية بيماميها
وتحاصرني بعيون البحرِ
وبالشعر الليل تغطيني
وتميل فتسحب من رئتي أذيال قصيدة عشقْ؟؟
***
ياهذي البنت الغجرية لاتشتعلي بحضوري
فأنا ما آخيت ذراع امرأةٍ
منذ سنين ما قربني وطنٌ
كيف إذن أدرج للنيل تباريحي
***
صمتتْ
دلت أبحاث الولد القابع للصور التذكاريةِ
أن البنت الغجريةَ
مافتحت للشمس نوافذها
ماغنت لصباحي
ماهمست للنيل بأغنيةٍ
كيف تغيب أذن؟؟
في كل دروب العتمةِ
في الغابات، الأنهار، الأبحر في النار مشيت ونقبتُ
جميع البحارة عنها ولصوص الفقراء سألتُ
على سوسنة صورتها وضحتُ
فقالوا..
كانت تخلع معطفها قبل الريح وتطلق للبريةِ
فرخ يمامٍ
وتجدد أبعاد بداوتها
وتمرغ في الطمي صدودي !
***
ياسوسنة البر أجيبي
يا آية موسى يدركني البحرُ
المُدْنُ الأرصفة الآن محاصرةُ
وحدود اللوحة ضيقةُ
أين أفر؟؟
البنت الغجرية تخرج من صمتي وشرودي
وترشرش أغنيةً للبدءِ
وتفتح للغجريات شراييني/ تنتشرُ
يا آية موسى يدركني البحر البحر البحر ال!
كان شروقا في كل حدود الوطن العربي يطالعني وجهكِ
طالعني مغتسلا في دجلةَ
في نهر الأردن تعمَّدَ
مشط في النيل ضفائرهُ
في الدار البيضاء استوقفني
في الجيزة طالعني
فتحت شراييني شرعت الأبوابَ
كسرت نوافذ صمتي ومددت يدي
وأممت عرائي
وظللتُ وحيدا أنتظرُ
كل فلول الغجر المأمول رجوعك فيها مروا !
ياآية موسى
هل يدركها البحرُ؟
وهل؟
قال رجال الشارعِ
كانت في ميدان التمثالِ
تلوح بضفيرتها
تركضُ
ما سمعتها الريح وما أدركها الظلْ
***
البنت الغجرية كالشمس بشعرٍ من خصل الليلِ
وأكثر مني طيشا وولوعا بالفجرِ
وتصعد في الليل جبال الغجر المعتادةِ
ثم تهيم كما الفرس الجامح في البريةِ
عيناها من حور أحورْ
وبقلبٍ كالنبتة أخضرْ
مثلي ما آخت كف فتى.. منذ سنين ماقربها وطنٌ
هذا آخر إعلان عن أوصاف البنت الغجريةِ
***
كان النيل يمر كتوما
والولد البدئي على آخر جنبات اللوحة يبكي
ويغلغل أغنيةً
في قلب النخلِ.. يسرب وجهي لنخاعي
ويصادق أغصان الحزنِ
وأشجار الصبارِ
وينشر للشمس مواجعه
والولد القابعُ للصور التذكارية يرقب
حشرجة النيل صموتا
والبنت الغجرية تخلع معطفها
عرفتها أخيلة الولد البدئي فنادى
يا هذي البنت الغجرية.. يا
يا سوسنة البر.. ويا
ما التفتتْ
لمت أزهار الفل المهروس ومرت.