المناخ الشعبي

المناخ الشعبي

اللوحة: الفنان العراقي سنان حسين 

في المزارع الكبيرة لتربية الطيور والحيوانات، لا بد من طاقم لمراقبة كل شيء، وملاحظة الظواهر الإيجابية والسلبية ومواجهتهما بما يلزم، فيبتكرون وسائل لاستثمار الإيجابي ومقاومة السلبي. عندما يصل إليهم تقرير بشيوع ظاهرة تبادل النقر بين الدجاج والشَرَه لأكل الدم، أو انتشار اعتداء الأم على أولادها في حظائر الحيوانات، لا بد من الدراسة والبحث عن حل، ربما هناك نقص في مادة غذائية جعلت الطيور شَرِهة للدماء، ربما الحظيرة مكتظة ويجب تقليل العدد أو تكبير المساحات، ربما هناك فئران وثعابين وحشرات متطفلة تتسلل إلى المزرعة فتزعجهم وتخوّفهم، الاحتمالات كثيرة، ولكن مِنَ المستحيل أن يظل المراقبون متجاهلين لما يحدث وتاركين الأمور تستفحل. عدد المراقبين قليل جدا ولكن وظيفتهم هي الأهم، هم عيون وعقل وضمير وطبيب المزرعة.

كيف يكون الحال، حين يهمل المراقبون المزرعة وينشغلوا بمراقبة الأحوال في الخارج، وينحصر همهم في متابعة: “حرب أفغانستان.. أردوغان.. الإخوان.. الشيعة.. السياسة.. الأمريكان.. التاريخ.. الفقه.. كورونا.. الأهلي والزمالك.. الخ، وينسون الدجاج والأرانب والمواشي وأكل عيشهم، يصبح المراقبون خبراء استراتيجيون في كل شيء عدا مشاكل المزرعة.

***

تغرق بيوت مدينتي في البِرَك والمستنقعات من مياه الصرف الصحي، تتسرب المياه الفاسدة والروائح الكريهة والعَدْوى إلى البيوت والأنوف، يخرج الجميع إلى أعمالهم ومدارسهم مُشَمّري ثيابهم وحَذِرين، يقفزون على أحجار متراصة عالية عن الأرض حتى لا تطولهم المياه النجسة، لو نظرنا إلى معاناتهم، لاتفقنا بداهة على أنَّ مشكلتهم الأساسية هي طفح مياه الصرف، فلا بد أن تنحرف تلك المياه بعيدا عنهم ولا تختلط بحياتهم.

حين نجد أن النخبة والمثقفين وعلماء الدين في تلك البلدة، يتحدثون عن كل شيء بالتفصيل عدا المشكلة الأساسية، ماذا نسمي هذه الحالة؟

نجد فريق يتحدثون عن؛ أحكام طهارة الثوب والبدن، الثوب الشرعي لتجنب ظهور ساق البنت المشمرة حين تتجنب القذارة، ضرورة إغلاق النوافذ حتى لا تدخل العدوى البيت، الأدوية التي تعالج الأمراض التي تسببها الحشرات والميكروبات، ينسبون بؤس الحال إلى الكاسيات العاريات ورِقَّة الدين والمعاصي، فأخلاقنا تغيرت ونفوسنا تلوثت ونستحق ما نحن فيه.

بينما خصومهم من التيارات الأخرى ممن يلعبون معهم لعبة الديوك، يعيبون عليهم سذاجة تدينهم المزيف وتعصبهم، ويتنبأون بأنهم لو نجحوا في تطهير البِرَك سوف يتحكمون في البلدة، ويذيقون الجميع من الويلات، لهذا الأفضل لنا أن نظل في المجاري حتى لا يطولنا الأسوأ حين يتحكم فينا المتدينون الأوغاد.

ألا يمثل هذا المشهد ذروة الحماقة والكوميديا السوداء. 

من يقبع في بيئة تنشر البراغيت والقمل سوف يكون في رأسه وجسده حشرات مهما كان مثقفا أو متعلما أو متحذلقا، وللأسف كلنا قمل وبراغيت فكرية ونفسية.

***

عندما تتهاون السلطة في منع انتشار المخدرات بين الناس، ثم تنتشر حوادث السيارات وتصادم القطارات والاغتصاب والقتل وتسوء الأخلاق وتكثر المشاحنات، من الغباء أن نتعامل مع كل حادث كحالة فردية خاصة، لا بد أن ننسب كل الأحداث إلى السبب الأصلي وهو المخدرات، ونواجه انتشارها، فيختفي أكثر هذه الحوادث والأحداث.

نحن في مجتمعنا وحياتنا ننسب الحوادث لعلل هامشية مضللة، ننسى جذر هذه العلل، ونخشى فتح ملفاتها، خوفا ممن يقف وراءها من الفاسدين أو أن فينا من يستفيد من هذا الفساد.

***

استسلم قبطان سفينة إنجليزية إلى الأعداء ووقع في الأسر، ثم أفرج عنه بعد ذلك، فأقامت له الدولة محاكمة عسكرية لمحاسبته على استسلامه، سأله القاضي: فقال القبطان: عندي عشرة أسباب للاستسلام.

الأول: لا يوجد معي ذخيرة.

وعندما همَّ بذكر السبب الثاني؛ قاطعه القاضي وقال له: “كفى، فبقية الأسباب لا تهم”

***

لو نظرنا إلى النشاط الحواري في كل أنحاء مصر لاكتشفنا العجب، لسان الأفكار والنفسيات والعواطف هو الذي يتكلم، الكل حريص على تغيير أفكار الكل، ولكن لم يصدر من أحد اقتراح يشير إلى عمل مشترك بسيط على الأرض، فالأمر أشبه بحرائق مندلعة والكل يتجادل عن الحريق ولا يخطر ببال أحدهم أن يمد يده ويتناول إناء ويصب الماء على النار، أو يحث الآخرين على إطفاء النيران، وكل النشاط ثرثرة حول النار.

في مصر: كثافة في المقاهي، كلها تمارس نشاط واحد، مشروبات ومشاهدة مباريات كرة قدم، البطالة تغذي هذه الظاهرة السلبية، ألم يخطر ببال النخبة أو الحكماء الذين يديرون شؤون الدولة أنَّهم بقليل من التفكير الواعي والمخلص، من الممكن تحويلها إلى ظاهرة إيجابية!.

–           ما سبب السلبية في هذه المقاهي؟

–           النشاط الغالب فيها واحد وغير منتج وعبارة عن ثرثرة وترفيه.

–           هل تغيير النشاط يعكس السلبية إلى إيجابية؟

–           ممكن. هذا بحسب أنواع الأنشطة.

–           لو في المدينة الواحدة ثلاثون قهوة، وهذا عدد واقعي، ماذا لو تحولت واحدة لتكون قهوة المثقفين، أو قهوة القراءة، أو قهوة هواة عزف الآلات الموسيقية، أو قهوة الإصلاح، ويقوم فيها الناس بنقد المجتمع واقتراح إصلاحات اجتماعية، أو قهوة المطلقات، أو قهوة الأرامل من النساء أو الرجال، أو قهوة أصحاب المعاشات الراغبين في منح المجتمع خدمة مجانية من خبرتهم وتخصصهم القديم ومن وقتهم الذي يريدون منحه لعمل الخير.. إلخ.

–           بهذه الفكرة تتحول المقاهي تدريجيا لسد ثغرات مجتمعية ودفق خدمات وتيارات إصلاح في المجتمع، ولا بأس من أن يكون وراء هذه الأنشطة أهل الخير.

–           وبنفس الطريقة في التفكير نستطيع مناقشة ظواهر أخرى بتحويلها من السلبية إلى الإيجابية ومن الضرر إلى النفع، مثل ظاهرة الدروس الخصوصية، فوضى الغلاء، انتشار مفاسد أخلاقية وسلوكية.. إلخ.

***

في أغلب حوادث الحريق في المباني، يتدافع الناس للهروب فرادى، تكون الخسائر في الأرواح والجروح هائلة بسبب التدافع وليس الحريق، ونحن في بلادنا نتعامل وكأنَّ هناك حريق، وكل منا مهتم بنفسه ويريد النجاة، بل بعضنا يريد الربح من نيران الحرائق، لا أحد يفكر في تعاون وتنظيم لنخرج جميعا من المبنى بسلام.

ما هو المناخ السائد في بلادنا؟، هل هو:علمي؟ فني؟ أدبي؟ ثقافي؟ اقتصادي؟ سياسي؟ رياضي؟ صناعي؟.. الخ

الإجابة عندي.. لا، بل مناخ تعليمي.. شهاداتي، فالنشاط الغالب والتيار الجارف والهم الأوحد في عقل كل الشعب، التعليم والدروس الخصوصية، أولادنا كلهم في الشوارع على أبواب بيوت المدرسين، تتلخص حياة أولادنا في درس خصوصي وموبايل، هذه الرحلة تستغرقهم حتى سن الثالثة والعشرين.

يسيطر على أولادنا حلم واحد، طب أو هندسة، وسعيد الحظ من ينحني لكلية حربية أو بوليسية، هل يوجد في بلادنا حلم ولا قيمة غير ذلك!، وهل هذا الحلم يثمر علماء وخبراء ومفكرين ومصلحين!.

حين تجتاح البرودة الناس لا نحتاج تذكيرهم بارتداء ملابس وابتداع أدوات وأنشطة تناسب هذا المناخ، وكذلك الحال مع المناخ الحار، هذا عن الطقس، كذلك الحال مع أي مناخ ثقافي وفني ورياضي وعلمي وديني وحربي واقتصادي.. الخ، المناخ يسري في الشعوب كتيار.

حين نتساءل عن السبب أنَّ مشاهير كرة القدم من البرازيل والأرجنتين؟، نجد الإجابة الواضحة هي أنَّ الشعب كله يلعب كرة القدم ويعشقها ويمارسها ويجعلها فرحته وهوايته وربما مصدر رزقه، المناخ الكروي سائد فيهم، فحيث يوجد الأنهار توجد أسماك المياه العذبة، وحيث يوجد البحار والمحيطات توجد أسماك المياه المالحة، وحيث يوجد نشاط كرة القدم يوجد “بِليه وماردونا وميسي”.

في عصر النهضة الأوربي كان المناخ، علمي وفكري وفلسفي وديني وحربي واقتصادي في كل أتجاه، من يظن أن لولا نيوتن أو أينشتاين أو داروين لما كان كشفهم وفضلهم فهو واهم، كان هناك آلاف العلماء الذين يشتغلون في هذه الاكتشافات في أماكن عديدة وتراكمت معارفهم، ولكن كان لا بد في النهاية من فرد واحد ينسب إليه الفضل.

ولهذا لا بد من تأمل المناخ الذي يُظِل ويتشبع به الفرد المصري والعربي.ثم نتأمل في الثمار، ولا نعجب من طبيعتها؛ فالثمرة من البذرة والتربة والغذاء والرعاية.فالذي يزرع الفل والورد والفاكهة لا يمكن أن يجني صبَّار أو علقم.

فما الذي زرعه ويزرعه الفرد المصري والعربي؟ وما الذي ينتظره كثمرة؟

خلاصة القول، كما اقترحنا تحويل مناخ المقاهي الترفيهية إلى ما يشبه النوادي التي تجمع أصحاب الهم أو الهواية الواحدة، يجب تحويل المناخ التعليمي إلى علمي.. والتديني إلى ديني قيمي.. والظاهري إلى جوهري.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.