أحمد علي
اللوحة: الفنان الألباني جوزيف كوتيه
ذات صباح متعب، في زمن متعب، في مكان لا يسعف اللحظة. دعوتها للخروج. والمدينة طفلة تنام على فرحها المارق. كأنها مثلي تماما، وحيدة الا من صمتي وهبات من اوراق يابسة على قارعة الطريق العتيقة. مشينا نتجافى عبر الطرقات عن لسعة برد هي أقرب الى حديثنا الصامت الان. القناديل تطفأ بعد قليل. توقفنا عند بداية الدرج الحجري الهابط الى حيث يخشى الليل ان ينتهي. كانت نقطة باردة من الخوف والانتظار. كما ترغب موجة ان تلتحف بأختها كانت افكارنا ولكن الجليد منع التذلل او حتى العلو. وصل الصمت حد المواجهة وحد اللا عودة. قلت وانا اشيح بناظري الى اللا شيء ان هناك امورا ما كان يجب ان تحمل كل هذا الفرح الزائف فقاطعت ما رغبت في بثه وقالت: ربما نحتاج الى أكثر من ان نكون معا. لحظة حزن أنبل حين تكون صادقه. تركت يديها. غلفت نفسي بأنفاسي تركت صهيل الحسرة يسخر من خطاي المبتعدة. كان فرح مواسم وكانت الاشجار دوما تعلو في الظل أكثر.
لم أرها بعد ذلك. سوى نص على قصاصات ورق أو بين أثير دخان سجائري التي رافقتني دوما على كل حال.
***
مزهوا بحرفين وتقاسيم ناي عاد الى ذاته مرة أخرى مرتقيا بكسرة وجد على قارعة الروح وجالس أوراقها مندفعا بكل ما في اللقاء الأول من هواجس ليجد ربما فكرة غابت عن حسن ظنه. جلس متكورا على قهوة يرشفها وأرواق يلتهم ما فيها من معنى. يقرأ سريعا. يتمهل. يعود سطرين. يقرأ مرة أخرى. ويناور في أدراكه كل تأويلات الحادث الذي افضى الى خروج الدهشة عن مسار التذلل للحبيب الى قارعة الظنون. في السطر الثالث قبل الاخير توقف طويلا يحقق في كلمة ربما كتبت خطأ. ربما أصبح الطريق اوضح في فهم تراكم الحيرة عند مفترق طرق. كانت تجلس في ذلك الركن كعادتها. حين اخبرته انها اهملت تزاحمه في مشاعرها لأنه مسيطر عليه من ذات عليا تشوه ورد لقاءهما الاول. مزهوا بقراءته لما يفتح المصراع لتحليل الذات والذات الاخرى. منكسرة بالحب الذي أرهقه التحليل. عاد كل منهما ذاك المساء منفردا في خطواته ثملا من مواجهة الحقيقة. في السطر الثالث ما قبل الأخير: انا لست عينة تجارب وانت لست الله.