اللوحة: الفنان العراقي صالح المالكي
سليم الشيخلي

كم من الوقت غفت غابة السنديان في داخلي! لا أعلم ولم أكن راغبة في معرفة ذلك، لكني أعرف إني بدأت أفتح عيني على موعد مع عطر عتيق حملني ليرسو جسدي المتعب من سفرة أمس الطويلة لمينائه الأثير وبدأت خلاياه تعبق بهذا العطر. الذكريات قناديل مدلاة من السقف ترتج كأغصان جذلى. مددت ساقيَّ المتكورتين ثم سحبتهما بخدر لذيذ، الجدران تقول: “مرحبا“. التفت إلى الباب فاختفت وجوه تتلصص علي والحقائب خلفي. جمعت جسديبخدره فنهض المكان معي، تقدمت بهدوء نحو الباب، كان الجميع واقفاً بانتظاري بوجوه باسمة، لافتات حب فابتدأ العناق والقبل الشرقية التي نجمع فيها أنفسنا مشاعر عند حافات الجسد وعواطفنا بين الشفاه فتطير كما الفراشات وعندما تعبنا تركت لعيني أن تعب شكل الوجوه وتقدر كم طرأ عليها من تغيير، على الأشياء حولي، هل تتذكرني، نظرت إلى عشتار فاهتز سعفها قصيدة خضراء.
عندما أحسست أن الفرح دخل قلوب الجميع وانتشر إلى الأنامل بشكل لم يألفوه. قمت لأتجول في البيت وكأنيأدخله أول مرة رغم أني صنعته بيدي هاتين، هنا قبلني أبو حسين فاستسلمت فمر أبوه فتنحنح فأحمر خدي وأنا أهرب من بين يديه تلاحقني ضحكاتهم، في هذا المكان سقطت من بين يديه الرقية فانفلقت ترش رذاذها الحلو على البلاط فانحنينا نلم ونأكل. هذه رسومات هدى وخربشة حسين وشعارات سعد لم يمحها الحائط ففتحت شبابيك الذاكرة إلى البعيد، ها هي أنفاسهم تعزف تراتيلها من تحت الأتربة المتراكمة. صعدت إلى الطابق الأعلى والأشياء كما هي، صورة حسين بالوشاح الأسود يؤطر الزاوية العليا اليسرى، أحسها تحدثني بصوت مبحوح ومن خلفها أصداء ليلة العرس. شلالات من ذكريات تقف على قدميها وتلسعني لأحس بالأسى على ما فات. كيف تسربت الأيام من بين أصابعنا دون أن نحس بها وكيف يجيء الأبيض وأخاديد تحفر الجسد خلسة. نزلت إلى باحة الدار ورأيت عشتار شامخة، حبلى بالطلع، بيوتاً ليمامات تروح وتجيء تتلو بين سعفها أساطيرها.
صباح بغدادي عتيق برائحة الدبس والقيمر والهديل، صوت القرآن بتلاوة خاصة، سعد الصغير بقدميه اللتين لا تثبتان بمكان يتفرج على القادمة الجديدة، أومأت له بقطعة حلوى صارت الأساس لجذور علاقة حب مزمنة.
– وأنا يا جدتي؟
صاح أمين بن حسين وهو يرى سميرة تفرد هداياها أمام أمها. أخرجت له الملابس التي حرصت أن أراه داخلها فرحة متحركة فلم يكترث بها ولما أخرجت له الرشاشة التي اشتريتها دون وعي مني فرح بها وملأ البيت حركة وضجيجاً ولما ضاق به المكان خرج إلى الزقاق يتباهى بين أقرانه. ظل سحر الهدايا ينثر فرحاً بريئاً على الجميع وسحر اللقاء يرسم واحة كبيرة تدخلني إليها نظراتهم المملوءة بالحب والبساطة.
– وماذا جلبت يا عمتي لنفسك؟ هكذا قالت سليمة.
– لم أنس نفسي، لقد أرحتها سنوات في عمان .
لا أدري ما خالجها تلك اللحظة لكنها أطرقت برأسها نحو الأرض متحاشية أن تنظر إلى مكان آخر.
عاد أمين من الخارج بملابس متسخة ورشاش لم يعد يلعلع وبقايا من سعادة تتناثر حوله.
– لماذا لم يذهب إلى المدرسة؟ قالت منبهة إلى شيء غفلنا عنه كلنا.
– فرح بمجيئك فأخذ إجازة. ثم أردفت بعد توقف قصير، لم تعد هناك مدرسة، سمها ما شئت إلاّ مدرسة، السبورة والشبابيك مكسرة، نجلس على الأرض في حالة يرثى لها، المعلمة تجمع من كل تلميذ مائة دينار لتأمين المواصلات لها دون رغبة في شرح الدرس وإذا زارنا مفتش تبدأ حصة تمجيد القائد بالأناشيد والهتافات فيخرج ممتناً شاكراً لهذه الروح الوطنية.
– والعلم؟
– أعتقد أن ما نحتاجه فقط هو تعلم القراءة والكتابة وكيف نفكر. وهذا ما تساعدنا به أمي في دروس خاصة.
– والعلم؟
– غير موجود. الناس تفكر بالخبز فقط، كم من الشهادات الجامعية مخنوقة داخل إطار زجاجي ومعلقة فوق رأس صاحبها الذي ما زال يبحث عن وظيفة.
لم أستطع مسايرة سميرة الطفلة التي كبرت بسرعة وكبر معها إحساس بالوجع الذي يعيشه الجميع. بدأت أميل لها أكثر لالتصاقها بي ومساعدتي في أكثر أعمالي وبأسئلتها الكثيرة وعدم لينها في الإفصاح عن رأيها بعفوية واضحة فاعتدت عليها وعلى أسئلتها ونشاطها داخل البيت. أراها بعض الأحيان صامته، هادئة تستمع فقط لأحاديثنا وفجأة تنفجر بسؤال أو ملاحظة تزيد من حرارة الإحساس بالواقع لننساق بدون وعي إلى ترتيبها. الأشياء حولي تحتل أيام الساحة الهاشمية لتصبح ذكرى لزمن رحل إلى الجانب الآخر من الحياة.
ملأ عيال هدى الخمسة والدب بعكازته الغرفة فاختلط صياحهم بالتحايا.
– كم جميلة أنت يا هدى. همست لها وهي تلمني كانت أناقتها شيء أكبر مما أتخيله، فخجلت من أن هديتها ستكون تحصيل حاصل وقد لا تدخل الفرحة المرجوة إلى قلبها.
– إيه عمتي كيف عمان؟
– بخير وتسلم عليك. أمن ونظام، الناس تخرج صباحاً إلى عملها، تعود مساءً، الله ساترها عليهم.
– هنا الخير يا عمتي. مجانين أولئك الذين يتركون الوطن للتسول في عمان.
أحسست أنه يسقط على رأسي شلالات من الحمق الجاف ويستفز كل حياتي فعلا صوتي محتداً: –
– كيف؟ الماجدات يملأن عمان يبعن السجائر وأشياء أخرى.
– قصر نظر اسألي هدى إن كانت في عوز، بيت عامر بكل أشيائه، سيارة وطعام في المجمدات يكفي لسنة.
كبحت جملاً في حلقومي فجرحته فتحملت. كيف تحس بالجوع وأنت المنشار والمزور، العراب بين اللصوص ورجال الأمن ولك القدرة العجيبة في القيام بأعمال يندى لها الجبين. كنت أقف في محطات استراحة داخل حوارنا، أنظر إلى سميرة. أداعب خدود سعد الغافي في حضني أو أنظر إليه وعلى وجهي لافتة من اللا حب مكتوبة بلغته الخاصة. كان يقرأها لكنه يتجاوزها كثعلب يبرر وسائله فاحتطت أكثر. تمطى سعد فامتدت يده لا إرادياً إلى حنكيوبدأ يلاعبه، سبحت قليلا تحت شلال براءته، اتكأت على الجدار وطلبت من فوزية أن تهيئ العشاء وقلت بصوتيسمعه الجميع:
– كم أتمنى أن تبيتوا الليلة معنا لنسهر سوية لكن مع الأسف البيت صغير جداً كما ترون .
بسط الطعام، هجم الصغار بعفوية الجياع فقلدناهم دون أن ننبس ببنت شفة، أيادٍ تروح وتجيء، فارغة وممتلئة، أفواه يلتصق أو يتساقط من جوانبها فتات الطعام. أحاسيس طيبة بالانتصار تحملني إلى شواطئ أمن وتحد من جديد لنجتمع هكذا دائماً. بعد الانتهاء من العشاء جاء الشاي، فتحت الحقيبة الخاصة بهدى وقلت لكي يسمعنيالدب المتلهف لمعرفة هداياهم.
– هذه الحقيبة لهدى وعيالها.
أشرقت ابتسامة صفراء على وجهه وسال لعاب لم يره إلاّ أنا. أمعنت أن أوخز مكاناً فيه يعيد إليه أحاسيسه ويعيد ترتيب حياته رغم علمي أن لا حياة لمن تنادي .
– وهذه ” الدشداشة ” والغترة لك أيها الصنديد يا سورها ويا نورها. ثم بدأت بالآخرين. وهذا البنطال لك.
علبة شكولاته، أمشاط، أغطية للرأس، لعب للصغار فرشتها على الأرض وهو يبحلق فيها. مدت هدى يدها إلىيدي وطبعت قبلة خجولة فجرت أمومتي فقبلت خدها.
– الله يرزقكم من حلاله وتشترون أحسن من هذا.
– شكراً يا عمتي ليحفظك الله ذخراً لنا، شكراً للهدايا الجميلة والعشاء اللذيذ. ماذا قررت أن تعملي بعد تجربة العمل في الأردن.
لم يصبر قليلاً ليعرف ما أخبئ للأيام القادمة او ما تخبئ لي، إذاً لنلعب في ملعب مكشوف الذاكرة وعلى طريقتي.
– لا أدري فالذي أملك لا يساوي ثمن خروف ولا أعرف إلى أين وصلت بكم الأيام
– مستحيل، سنوات طويلة من الكدح في الغربة وتعودين بلا شيء .
– وهذا ما حدث بالضبط، ألا ترى أن أمور هذا البيت مستورة والحمد لله ولم يزرك أحد منا لطلب المساعدة أو الاقتراض.
– لكنك لم ترسلي لابنتك شيئاً يمكن أن تكون محتاجة، من باب العدل في القسمة.
نظرت في وجهه علّي أرى ذبالة خجل لكن مساحة الضياع كانت أبعد من آفاق إدراكه فقلت:
– لا تعتقد أني لم أسأل عنكم وأتسقط أخباركم. ثم بدأت بهجوم ارتفع فيه صوتي قليلاً ليجلو تعب داخلي ويمسح ما تساقط على رأسي في أتربة نفاقه.
– صحيح أنك بقدم واحدة لكنك لم تيتم عيالك بعد لتحق عليهم الصدقة. أمورك والحمد لله جيدة، بيت، سيارة وعدة محلات ومشارك آخرين في أعمالهم وتقرض الناس بفائدة.
– كذب، أشاركهم في الربح فقط.
– والخسارة؟
– هذا اتفاق سألت عنه ” السيد ” فأخبرني أنه حلال.
أحس أن دائرتي تضيق عليه وأنه يتعرى قطعة قطعة أمامنا دون إحساس، ابتسم بصفراوية وسألني أن نستورد إطارات سيارات فأخبرته بصلابة بأنني لا أملك نقوداً.
– إنك متعبة الآن، سأزورك عن قريب ونناقش الموضوع.
سحب عكازته ليتكئ عليها قائماً ولعناتي تطارده آسفة لابنتي وعيالها مثل هذا الأب الخروف الذي سيضحى بهيوماً ما لتبييض السمعة الوسخة لممارسات السلطة. كلب بوليسي، يخلق التهمة بتقرير مزاجي. كم مثله براغيث تمص دمك أيها الوطن الجريح بنا والحاضن جرحنا. حمل الشنطة تحت إبطه وعند الباب حملتها هدى عنه. سمعت طرطقات باب السيارة وبعدها جاءنا صوت الماكنة المبحوح ليسدل الستار على زيارة كنت أتمناها أجمل لأطفئ ظمأ داخلي لكن ضياعه يمتد من نقطة بعيدة لوثت ذاكرته فباعها بسهولة للشيطان.