اللوحة: الفنان السعودي عبد الله الشيخ
صبحي السلماني

قبل أن نخلد إلى النوم، بزخمٍ غير مسبوق صارت السماء تطلق الشهب، ومع كل شهاب ينطلق، فنحن الذين ورثنا الصبصبة عن أجدادنا العظام صرنا نصبصب: صب… صب… صب…!
وحتى لا نحمل الشهب وحدها مسؤولية قض مضاجعنا في تلك الليلة الدهماء، لابد لنا أن نعترف بأن كلاب القرية التي كنا نلوذ بحماها تنكرت لنا وكشرت عن أنيابها، وصارت تهر في وجوهنا وتنبح.
والحمير الموسومة باللطافة لا ندري كيف تخلت عن لطافتها واستنفرت؟ وبلا هوادة صارت بعضها ينهش لحم بعضها الآخر، وكلما اقتربنا منها رفستنا بقوائمها الخلفية وأدبرت.
والتيوس المتربصة حين وجدت أن كباش النطاح تدس قرونها العظيمة في الأرض وترتجف، لم تجد ما يمنعها من مراودة النعاج المتحلقات حول المراييع الخُنث، تلك التي تم خصيها، فصارت لا هي من جنس الذكور، ولا من جنس الإناث. وحتى لا ندع مجالاً للشياطين لتنقل المعركة إلى أرضنا، داومنا على الصبصبة بسخاء منقطع النظير، ولم نتوقف عنها حتى صارت حزم الضوء بحللها الدموية تتسلل علينا من خلال فرج الأشجار المتشابكة أغصانها فوق رؤوسنا، لحظتئذ عم السكون وهدأت الأنفس، وقلنا ياجاد الله (عدّت على خير).
ولاعتقادنا بأن سَورة الشياطين قد تبخرت، كما هو ديدننا في الصباحات السالفة، تنكبنا المساحي وصوب النهر يممنا وجوهنا.
ونحن نتبع نظام المراشنة، ونقوم بسرقة الحصص المائية من بعضنا تحت جنح الليل، ليس غريباً أن تجف بعض السواقي وتطفح الأخرى بالماء، ولكن أن تكون جميعها خاوية ولم يبق فيها إلا براز الضفادع والوحل، فذاك أمر عجاب.
تسمرنا كلاً على مرزه، وصرنا نقلب الأكف، ونتساءل ونتجادل ونثرثر، ولم نكف عن الثرثرة حتى نادى منادٍ من على ضفاف النهر؛
يا أهل القرية،
يا أهل القرية،
انظروا إلى النهر
انظروا إلى امواجه. مثل رؤوس الإبل ترمح باتجاه الغرب.
انظروا إلى النواعير صارت هي الأخرى تدور بعكس الاتجاه الذي دأبت عليه منذ الأزل.
ولغرابة الخبر الذي نزل علينا كالصاعقة، وقفنا دونما شعور على أمشاط أرجلنا، ولوينا أعناقنا صوب النهر. كانت دهشتنا عظيمة وشعورنا لا يوصف من هول ما رأينا، ومن شدة الخوف سقطت المساحي من على أكتافنا، وبخطًى وسيعة قفلنا راجعين الى دورنا. ورغم محاولاتنا البائسة كي لا نبدو صغارًا في عيون الحريم، لم نؤخذ بالأحضان، ولم نستقبل استقبال الفاتحين… حين وجدنَ أن فوانيس ذكورتنا قد خلت من آخر قطرة رجولة، لم يدخرن وسعاً للتهدئة من روعنا. ومن لم تحسن قراءة سورة الفاتحة او المعوذات، بسملت، وحوقلت، وبكل سخاء ذرت الملح وأحرقت أعواد البخور.
ولجهلنا بالأمور الغيبية، ماكنا نعرف أَنّ للشيطنة ارتدادات خطيرة إلا عندما وجدنا أسراب الطيور التي هجرت أعشاشها تحلق باتجاه الغرب، والكلاب السابلة ذيولها ومن خلفها كراديس الحمير والمنفلت من النعاج والماعز، جميعها تجمح باتجاه الغرب…..!
ماذا نفعل يا نحن؟
ماذا نفعل حيال تلك الظواهر وهاجس الغرب، لم يكن بوسعنا أن نفعل شيئاً أكثر من أن نصبح جزءًا من تلك الفوضى.
بلا حياء… بلا خجل… بلا كلمة وداع، تركنا أشجار النخيل السامقة هاماتها بكل شموخ خلف ظهورنا. والتحقنا بالكلاب والحمير والنعاج والتيوس.
استقبلتنا الصحراء الوسيعة بقيظها وسمومها وعواصفها التي تدور كالمغزل إلى فوق، وخيم البدو التي بدت لنا من بعيد كأنها قصور شاهقات.
وعلى الرغم من أن علاقتنا مع البدو في السنين الخوالي لم تكن على أفضل حال، فحين تكومنا بحريمنا وحميرنا فوق رؤوسهم أحسنوا استقبالنا، وتكفلوا بأمر إطعامنا وسقايتنا.
وعلى قدر انبهارنا نحن الرجال بفراسة وفروسية رجالهم الذين يسوسون النسب على العلامات الفارقة والدم، ويمتطون صهوات الجياد بلا سروج ولا أعنة….. كانت نساؤنا الكادحات منزعجات من بخترة نسائهم اللائي يشبهن أعواد البخور، وينعتنهن بالدلال والكسل.
وحتى الحمير…. حميرنا التي لا تحسن إلا الرفس والنهيق والتمرغ على الروث، بنظرات كلها فضول كانت تراقب حركة إبلهم المهيبة، وهي تنوخ وتبرك، وتتعقب خطا بعضها بكل هدوء وتؤدة.
لم نكترث كثيراً لتلك المشاهدات، لم يكن في نيتنا أن نصير بدواً، ولم يخطر ببالنا التبرُّؤَ من أصولنا القروية.
قبل أن يظهر نجم سهيل َوينصرم القيظ، ما أن أرخى الصيف أطنابه حتى صاروا يتململون ويهيؤون أنفسهم للرحيل، هكذا هم البدو (طيور بر)، لا يمسكون أرضاً ولا يميلون إلى الاستقرار، عند نهاية كل موسم يشدون الرحال ويجوبون الصحراء طلبا للماء والكلإ..
أثناء انشغالهم بلملمة أشيائهم البسيطة، وطي خيمهم التي نسجوها من وبر إبلهم، حرصوا على إيجازنا بلا إسهاب عن كيفية التعامل مع الهبوب: حتى لا تقتلعكم العواصف اخلعوا الأوتاد وارخوا الحبال وأزيحوا الأعمدة وساووا خيمكم مع الأرض عند كل عاصفة.
أرشدونا إلى المسارب والطرق التي تؤدي إلى آبار المياه، وبظهور أيديهم أشاروا إلى جهة أقرب واحة يوجد فيها التمر: هناك… هناك… (حدر الطويلة) سوف تجدونها.
حدر الطويلة!
بصراحة لم نسمع بهذا المصطلح من قبل، كل الذي نعرفه أن مقياس المسافة عندهم هو (شمرة العصا)، ولم يدر في خلدنا بأن (حدر الطويلة) بحاجة إلى حزمة عصي، ودونها فيافي َوقفار.
بعد بضعة أيام على رحيلهم تم إخطارنا من قبل الحريم بان التمر قد نفد.
نفد التمر؟!
كل؛ شيء إلا التمر…
رغم علمنا بأن رمال الصحراء بحاجة إلى خفوف إبل عريضة تداعب ظهرها، لا إلى حوافز حمير مدببة تغوص في بطنها، لكن من أين نأتي بالخفوف والبدو عنا قد رحلوا.
وحين وجدنا أن لا مناص من التصرف…. تصرفنا. ألقينا بالأجلة وأكياس الخيش على ظهور الحمير. ومشينا بتثاقل غير آبهين لِما ينتظرنا من صعاب وأخطار.
بعد مسيرة متعثرة استغرقت سبعة أيام بلياليها أدركنا المكان الذي وصفوه لنا:
منطقة منخفضة تحاصرها التلال من جميع الجهات، وعلى أطرافها أربعة رجوم شاهقات.
البدو لم يكذبوا علينا، ونحن بدورنا لم نخطئ الطريق.
نعم، كانت هناك واحة، لكن أين أشجار النخيل؟ أين التمر؟ أين المياه….؟
كل الذي تبقى من تلك الواحة المندثرة بضعة أعجار نخل تطفو على بحر من الرمال.
لكن متى حدث هذا وكيف ِ؟!
هل كان البدو على علم بتلك المتغيرات ولم يخطرونا؟!
وإذا كانوا على علم، فلماذا لم يرشدونا إلى واحة أخرى غيرها.. هل كانوا يبغون ضياعنا…..؟
لا.. لا مستحيل، لأكثر من سبب ليس من مصلحتهم أن نضيع.
على أية حال بعد أن وقع (الفأس بالراس) لا فائدة ترجى من كيل التهم والتأويل.
بالأمس طوينا المزاود بعد أن خلت من كل ما من شأنه أن يسد رمقنا، وكدنا أن نتقاتل فيما بيننا من أجل حفنة ماء كانت متخفية في ثنايا إحدى القرب الخاوية، وعلى أمل أن ندرك الواحة الحلم، صرنا نمنّي أنفسنا، ونشد من أزر بعضنا كي نواصل المسير، ونحن نجر الحمير بواسطة الحبال المربوطة على أعناقها جراً، تارةً نمشي على ركبنا وتارةً أخرى نزحف على بطوننا.
ورغم قناعتنا بأن لا أحد يسمعنا وسط هذا التيه والخواء اللذين يبعثان إلى الضجر والريبة، بألسنٍ شبه معطلة وغصةٍ تبتلع ثلاثة أرباع الكلمات، صرنا ننادي:
يا أهل الديرة،
يا أهل البادية،
يا نهر الفرات الهارب،
يا بئر هداج،
اسعفونا بجرعة ماء… جرعة ماد لا غيرها…،
أي جنون هذا، من عساه أن يسعفنا ونحن في أرضٍ لا طير فيها ولا شجر؟
الرمال؟!
الرمال هي الأخرى بسبب زحفها نحو الغرب. صارت بمزاج لا يسمح لها أن تعيد صدى أصواتنا المبحوحة،
ونحن نتشبث بتلابيب الحياة، لم يبق أمامنا إلا بول الحمير شربناه
نعم شربنا بول الحمير. وعلى أمل أن نؤجل نهايتنا ليومٍ آخر. ارتمينا على بعضنا نحن والحمير التي لا تقل عنا رعباً وظمأ، وبوجلٍ صرنا ننظر في عيون بعضنا، تجلت لنا في عيونهنَّ صور لوجوه آدمبة مريبة، وأما عن الذي برز للحمير في عيوننا فلا ندري. وحتى تغيب عنا تلك الصور الشيطانبة، صرنا نتعجل مغيب الشمس، وما أن توارت خلف التلال البعيدة وبدأ الليل بلف اروقته حول الطبيعة الموحشة، برزت لنا اجساد آدمية اِنسلخت من ثنايا الرمل وأعجاز النخيل وصارت تزحف صوبنا، وحين اقتربت منا وتمعنا في وجوهها، لم تكن غريبة عنا، هي ذاتها التي تجلت لنا في عيون الحمير، ولاعتقادنا بأن تلك المخلوقات الغريبة لا يمكن أن تكون إلا من الجن، ونحن في وضع لا يمكننا أن نقاوم أو نهرب، شرعنا بالصبصبة من جديد وصرنا نطلب النجدة من السماء، وعلى الرغم من أن السماء كانت تعج بالنجوم إلا أن شهاباً واحداً لم ينطلق. وكأنها غير معنية بشياطين الأرض. لكن حين تلبستنا تلك المخلوقات وشيطنتنا، تنبهت السماء وأَمطرتنا من الشهب ما يكفي لطمرنا تحت الأرض.
في صباح اليوم التالي ونحن نتململ من تحت الثرى، لا ندري أن الذي جرى لنا في تلك الليلة المشؤومة، هو لعنة أشجار النخيل التي تركناها خلف ظهورنا في القرية، أم أنها مجرد هلوسات سببها بول الحمير الذي تعاطيناه وصار يعصف بأدمغتنا.