سجون تحت الجلد

سجون تحت الجلد

اللوحة: الفنان السوري سمعان خوام

يعرف الجميع سجنَ الدولة، حَبْس في مبنى محاط بأسوار عالية وحراسة مشدَّدة لفترة زمنية، تُقَيد حرية السجين ويصبح تحت سيطرة إدارة السجن، وينتظر يوم الحرية بصبر نافذ.

السجون التي تحت الجلد في أغلبها اختيارية، تكمن في العقل والمشاعر والأحاسيس، وما أكثرها نوعا وما أفدحها أثرا، ولكنها خبيثة، قد يحيا الإنسان عمره كله ولا يشعر كونها سجن أو قيد، فلا يخطر بباله التحرر منها، بل يظل متمسكا بها وكأنها جزء منه أو ضرورة سلامة حياته.

الطفل الذي يغتصب أو يمارَس عليه تنمر، يوهمه المعتدي أنَّه لو أخبر أهله بما حدث فسوف يعاقبوه، ولكن الحقيقة أنَّهم لو عرفوا لعاقبوا المعتدي ولنجا الطفل، ولكن الطفل مسجون في الوهم، ولولا أنه قليل الوعي لما ظل في هذا السجن بإرادته، ويبدوا أننا جميعا أطفال الوهم الساذج.

قد يُسجن الإنسان في مشاعره الضالة، علماء الفلك الذين يطلقون عيونهم إلى السماء، يدفعهم الفضول للتفتيش والتجسس في ملكوت الله، قد يعتريهم شعور بأنهم مسجونين في الأرض، فيشعر الفلكي وكأنَّ حواف الأرض تضيَّق على جسده، لأن خياله سبقه خارجها.

الإنسان المهزوم أو المقهور أو الفاشل في بلده، تسبقه أجنحة خياله إلى دولة أوربية أو أمريكا، ويضيق بكل ما في بلده من ماء وهواء وبَشَر، ولا يحسب الأيام التي تمر من عمره طالما لم تطأ قدمه أرض الأحلام، تخنقه مشاعر المسجون في بلدة.

من قصرت همَّته وظروفه عن حب أو حلم، يظل يطارده ويتبعه بصر خياله، تتساقط قطرات منه على أيامه فتفسدها، ولا يشعر بثراء نعم الحياة المتناثرة بين يديه.

السجون المتوهمة والاختيارية لا تعد ولا تحصى، ولو حدثت المعجزة وأدرك السجين أنه سجن اختياري، لهرب منه، وسوف يكتشف أنها ليست أسوارا عالية وحصينة ولكن دائرة رسمها بنفسه على الرمال.

من أقوى السجون الفكرية ما يقع تحت مسمى الأيدلوجيا، سواء كانت دينية أو علمانية أو شيوعية أو قومية.. إلخ، لأن الأيدولوجيات تتحول إلى دين، وتصبح مقدسة، فيطول السجن بسبب وهم القداسة، ووهم الطريق الصحيح الوحيد.

أعرف شابا انتمى لتيار أيدلوجي، وهي كثيرة، “دينية أو ماركسية أو علمانية أو قومية”، دافع الشاب عن تياره بكل كيانه، وتورط في سجن سياسي خمس سنوات، وفي السجن وجد الوقت للقراءة في مجالات خارج ما يحمله من أيدلوجيا، أدرك ثغرات وأخطاء كثيرة، تحدث مع زملائه، رفضوه واعتبروه خارجا عن الصف ثم اتهموه بالتجسس وتقدموا بشكاوى ضده حتى صدر أمر انتقاله إلى سجن في أقصى الجنوب بعيدا مئات الكيلو مترات، فكانت أسرته تتكلف عناءً شديد حين تزوره، ولكنه مع ذلك كان سعيدا بالحرية، وكان يردد قائلا: “لولا هذه الحرية لكنت أسيراً بقية الحياة”.

تحكي الأسطورة عن شخص يدخل قصرا، يفتش ببصره فيه، يرى أمامه شخصا متقلدا سيفه ساكنا في مكانه، يهرع إليه ويُشهر سيفه، فيسارع الآخر إليه شاهرا سيفه، يدور بينهما النزال لمدة طويلة، لا يستطيع أن يتغلب عليه، حتي يبلغ منه الجهد، يبتعد ليلتقط أنفاسه،

يسكن قليلا ثم ينظر لغريمه حذرا، فيراه ساكنا يلتقط أنفاسه، يتعجب ثم يشك ثم يُحدث حركات مقصودة، فيحاكي الشبح الذي أمامه نفس الحركات، يكتشف أنه أمام مرآة مسحورة، وأنه يصارع شبحه في المرآة، يصارع خياله وأوهامه، ولو توقف الصراع في خياله لاختفى الشبح، واستراح الإنسان، وتحرر من سجن مشاعره الضالة.

اشتهر مسلسل “ليالي الحلمية”، وقصة الصراع الثأري الحقود من العمدة “سليمان غانم” تجاه رجل الصناعة “سليم البدري”، صراع القط والفأر الذي استغرق عشرات السنين، حين تعرض “سليم البدري” لحادث قد يودي بحياته، كان أكثر من سيطر عليه الحزن والقلق هو خصمه “سليمان غانم”، واندهش الجميع لهذه المشاعر، توهم “سليمان غانم” أن لو مات غريمه سوف يفقد طعم الحياة التي عاشها ولم يذق غيرها، فالصراع بينهما هو وقود حياته، أصبح شعوره مثل السجين الذي يوشك أن يصدر أمر الإفراج عنه، فتجمد من الحيرة لأنه نسي الدنيا خارج السجن، ويخاف أن يُتَهتِه ويحبو ويَتَعثر فيها، كانت حياة الصراع هي السجن الذي اختاره “سليمان غانم” لنفسه، فلا يمهر حياة أخرى، لنتخيل المستحيل والنادر الذي لا يفعله أغلب الناس، أن يتوقف “سليمان غانم” ليتأمل نموذج حياته، فيدرك حيلة المرآة المسحورة، ويضحك من حماقته، ويغادر حلبة الصراع ويتمتع بالسلام وخلو القلب من الأحقاد، لو حدث هذا لكان سيناريو حياته مختلفا.

الذي يسكن في غرفة بها خمسة أبواب لا يُعتبر سجينا إلا حين توصد الأبواب كلها، باب واحد مفتوح يلغي وصف السجن، وهذه الأبواب تمثل بعض خيارات الإنسان في الدنيا، وهي ليست خمسة فقط، بل كثيرة جدا، ولكن لو تأملت أغلب الناس لاكتشفت أنهم يتعلقون بخيار واحد ويهملون بقية الخيارات، ويكون حالهم مثل سجين غرفة الخمسة أبواب الذي لا يقبل إلا أن يخرج من باب واحد ويرفض الخروج من الأبواب الأخرى المفتوحة.

كثير هؤلاء الذين يسجنون أنفسهم في حجرة والمفتاح في جيبهم، وكثير من حجرات الأفكار والنفسيات والعواطف والمواقف تسجن الإنسان والمفتاح بيده ولا يعي.

سوف أضرب مثالا للسجون تحت الجلد، بحالات الشقاق بين الأزواج في بلادنا، لأن المرأة الواقعة تحت تنمر أو المرأة المطلقة، مثالا صارخا لمسجونين الفكرة والمخاوف.

طرحت هذا السؤال على شريحة كثيفة من الدائرة حولي:

“حين يحدث شقاق بين الأزواج وترفض الأم رعاية الأولاد وتتركهم للأب، ما هي نسبة الآباء الذين سوف يهملون أولادهم؟”، كان أغلب الإجابات لا تتعدى 5% وربما أقل بكثير، وأتفق مع هذه الإجابة، فالأصل في الأب الطبيعي هو الرحمة بأبنائه.

كنت صديقا لأسرة من أربعة أفراد، المرأة تدور في ساقية رعاية الأولاد، والرجل يدور في ساقية العمل، وكانت العلاقة باردة بين الزوجين، تعلق قلب الزوج بفتاة وقرر أن يتزوجها، وعلمت الزوجة فصُدِمت ثم ثارت، وأثناء توسطي بين الطرفين، كانت الزوجة تريد الطلاق والاحتفاظ بالأولاد، وهذه الرغبة ترجع إلى توهمها أن لو تولى غيرها رعايتهم لضاعوا، وكان الزوج يرسم خطته معتمدا على تعلقها بالأولاد، يخطط أن يُطَلقها وينفق عليها وعلى الأولاد بسخاء، ويبدأ حياة أخرى مع التي يظن أنها ستسعده، وكنت أعلم أنه لو تزوج أخرى سوف يحمل نفس الفيروس الذي أفسد حياته الأولى وأنه سوف يفسد الحياة الثانية، نصحته، ولكنه كان أسير الهوى، فما كان مني إلا أن أقنعت الزوجة بأن تعلمه أنها سوف تتخلى عن الأولاد له، وكنت أعلم أنه لا يمكن أن يسمح بإهمال أولاده، فصدقتني زوجته وأخبرته بقرارها، فتراجع بسرعة وتخلى عن مشروع الزواج وعاد لزوجته وأصلح كلاهما من أنفسهما وأصبحوا أسرة مستقرة وربما سعيدة.

هذا السيناريو واقعي، ولكن للأسف معظم النساء تتوهم شيوع صلابة قلب زوجها تجاه الأبناء، وتجهل أن هذه الصلابة ليست الأصل، ولكنها حالات شاذة، فتضطر إما أن تتحمل حياة مهينة وشاقة، أو تنفصل وتتحمل الأولاد وحدها وبالتالي تندر فرص الزواج ثانية، بينما يصبح الزوج حرا ومتيسرا له الارتباط ثانية وربما ثالثة.

هذه القصة توضح سجن الفكرة والشعور، قد تسيطر علينا فكرة ضالة وخاطئة، ولكن نتمسك بها وتأسرنا مخاوفنا فنشقى وتصبح الحياة مُرَّة ومؤلمة.

عندما يقضي الإنسان معظم حياته في قريته؛ يظنها الكمال والجمال والمثال، وأن قوانينها وعاداتها وتصوراتها كونية، وحين يسافر إلى؛ (المدينة.. العاصمة.. باريس.. كل بلاد العالم)، ينظر لقريته كما ينظر لرحم الأم الضيق حين انزلق منه إلى الدنيا الواسعة، تتكون في ذهنه صورة حقيقية لحجم وقدر قريته في العالم، ويراها مثلما نرى قريتنا على الخريطة في جوجل، ويدرك الفروقات الهائلة في؛ “الأفكار.. العلوم.. العادات.. التجارب.. كل شيء، يشعر وكأنه كان في سجن غير محسوس، ويتحرر جسده وفكره، ولكن طالما أنجح وسيلة للإقناع هي السفر، فهل نضطر لسفر وانتقال الشعوب حتى تدرك الحقيقة!، لا شك أن وسائل الاتصال الحديثة قد تقوم بهذا الانتقال المعرفي ولكن حتى الآن لم تنجح في التقارب والتعارف بين الشعوب.

السجون بعدد البشر على هذه الأرض، سجن لكل مواطن، سجن “الوظيفة الحكومية، التعصب الطائفي، مطاردة المتعة، كَنز المال، القعود أمام الشاشة.. إلخ.

والعاقل من يتحرر فيفوز بالحياة الحقيقية. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.