اللوحة: الفنان المصري محمد ناجي
محمد محمود غدية

وجد أحدهم يرحب به بحفاوة غير عادية، في المقهى الذي يرتاده للمرة الاولى، ولا يعرف فيه أحد.
– انت لا تعرفني لكنني اعرفك، اجلس وتناول معي فنجان قهوة، انت لم تعرف حكايتي بعد، بينما عرفها الجميع هنا، مازال مدهوشا لما يسمعه، بالفعل لا يعرفه واول مرة يلتقيه.
انت جديد هنا، انظر الشمس انها تشرق لكل البشر، على مختلف مستوياتهم، صافية وخالية من الشوائب، تشيع الضياء والالفة والدفء للجميع، حتى السحب ما أروعها وهي تنثر المطر المخصب فوق الحقول، وفوق البيوت لتغسلها من الرماد العالق بها، صدمته لغته الراقية والمهذبة، وابتسامته الميكانيكية المقتصدة.
– اتلفني الملل والوحدة بعد وفاة زوجتي، وسفر الاولاد في كل بلاد الدنيا سعيا للرزق، تباعدوا وتباعدت هواتفهم، وداهمتني سنوات المعاش، وأصبح المقهى بيتي الذي التقيتك فيه اليوم.
تجمعت بداخله دموع مؤجلة، مثل غيمة مثقلة، فأمسك بها حتى لا تتساقط كالمطر، ألقى حجرا حرك الركود، واشعل الانطفاء، وفجر خمود البركان، فجأة اخرج من حقيبته الجلدية، بعض اوراق صحف قديمة، فردها فوق طاولة المقهى، قائلا وعينه تلمع فرحا: انها قصص كتبتها واسمي بجوارها كما ترى، لا اكذبك القليل منها فقط الذي كان ينشر، والباقي في سلة المهملات، سأجيبك عن السؤال الذي لم تسأله: لماذا لم تتزوج؟
انها لعنة الكتابة يا صديقي الوذ بها من الشدائد، تبدد الفوضى وتجمل القبح، وتجعل من الغياب صورة باهتة، يألفها المرء وتمر.
مازال في جعبته الكثير الذي يريد ان يرويه الآن، محتفيا بأحزانه التي تأتيه على مهل، ولا يمل معاودة البحث عن ذكريات طازجة، كانت بالأمس قريبة، ثم فرت من امامه واختفت، مثلما اختفت الشمس خلف سحب داكنة، لينشر الليل عباءته فوق الشوارع والبيوت، يفترقان عيونهما تمسح اللاشيء، واقدامهما تسير في اللامكان، كل منهما يتابع الآخر، بعينين متوسلتين تستجديان الأمل في لقاء الغد.
امرأة موشكة على الغروب
لم تكن الوحيدة في هذا الكون، غيرها الكثير، جائعة لكلام يدفئها في صقيع وحدتها، ووحشة الخيبات التي تلاحقها، حتى لو كان كلاما كاذبا، مثل شجرة عارية فاجأها الخريف في منتصف المسافة بين الحزن والغياب، وعلى نحو ما بدا العالم اكثر وحشة، بينما كانت الشمس تلملم اثوابها في حقائب الشجن والغروب، مؤسسة لوداع ما، لم تستطع التخلص من الحزن الذي امسك بها، وأنشب فيها مخالبه الجارحة، حتى السماء شاركتها الوجع وأربدت غيوما كثيفة، بحاجة الى مسكن ما، دموعها بمثابة السائل السحري الذي ينزلق على جروح روحها فيشفيها ويلحم تصدعاتها، انتابتها رجفة مثل التي تنتاب الطير حين يلتقي بصياد ماهر، يلفها الصمت المطبق، جمرة نار في ثلاجة، صرخت حين ابصرت نفسها في المرآة، وقد تركت شعرها دون تصفيف، كأنه فروة مغبرة لأسد يطارد فريسة استنزفت قواه، من ركضها خلف احلام بعيدة في السحاب، سقطت مثل نجوم آفلة، لم تستمع لنصائح الاهل والاصدقاء، ان الكتابة اثم عظيم تأكل خلايا الجسد، تقفز فوق سياج العقل، سممتها دواة الحبر، جرحتها أشواك الورود، وقبح الشارع وغياب الذوق والانسانية، رائحته مازالت عالقة في وسادتها، لابد ان ترفق ببدنها لا تحمله ما لا يطيق، الضعف يقودها الى المذلة والهوان، المرآة تدمع لأجلها وقد اصبحت روح موشكة على الغروب، صفرت القاطرة وتحرك القطار، اخرجت منديلها وفعل مثلها وتبادلا التلويح الى آخر الرؤية، مسكينة لا قاطرة هناك، ولم تبرح غرفتها شحيحة الضوء، تتضاعف الاوجاع حين يكون الانسان وحيدا، الهم لا يدوم، انظري كيف تسلل ضوء النهار من خلال زجاج نافذتك، وكيف تبددت العتمة التي كانت متكاثفة وجاثمة على روحك اللينة.