اللوحة: الفنان السوري نافع حقي
ماهر باكير دلاش

1
صَوْتُ صَفِيرِ البُلبُلِ مِنْ عَمَّانَ
إِلَى نَجْدٍ فَتَطْوَانَ إلَى الْمَوْصِلِ
أَصَمعِيٌّ يَخْتَالُ مُتَعَلِّلًا بِقَافِيَةٍ أَتَى
يَتَرَنَّمُ عَلَى صَوْتِ صَفِيرِ الْبُلْبُلِ
مَوْصِلِيٌّ مُتَحَنْجِلًا بِأَلْحَانِهِ يَتَغَنَّى
مُنْتِشيًا بِصَوْتِ شَادِنٍ كَالْمَهَا الأَكْحَلِ
أَرْضُ الرَّافِدِين نَبْعٌ لِلْعُرُوبَةِ فِيهَا
دِجْلَةَ وَالْفُرَاتُ بِعُذُوبَةِ الْجَدْوَلِ
رِصَافِة وَكرخ وَدِجْلَةَ بَيْنَهُمَا
وَالْفُرَاتُ مَاءَهُ عَذْبٌ لَمْ يَتَحَوَّلِ
مِنْ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى ذِي قَارَ فَخْرٌ لَنَا
فِيهِمَا نَصْرٌ وَفَتْحٌ مِنَ الْقَائدِ الْمُبْجِّلِ
مَنَارَةٌ لِلْعِلْمِ بَغْدَادَ وَنُورُهَا
جَاحِظٌ وَكَرْخِيٌّ وَابْنُ حَنْبَلِ
الْعِلْمُ فِيهَا وَالْبَيَانُ وَالْيَاسَمِينُ
يُزْهِرُ وَالنَّخْلُ وَرَائحَةُ الْقُرُنْفُلِ
2
قُدْسُنَا تَبْكِي صَارِخَةً، دَنَّسَنِي
أصْحَابُ الصَّلِيبِ فِي كُلِّ مَحْفَلِ
أَبِعْتُمُونِي وَبِعْتُمْ كُلَّ عَزِيزٍ،
وَتَرَكْتُمُونِي لِيَهُودَ قُرْبَانًا لِلْهَيْكَلِ
قَسْوَةُ الْقَلْبِ مِثْلَ قَسْوَةِ الصَّخْرِ
خِنْزِيرٌ خَبِيثٌ مِثْلَ خُبْثِ الْجُعْدُلِ
لَا هَانَ مَجْدُكِ يَا قُدْسَنَا عِشْتِ
شَامِخَةً دُونَ رُكُوعٍ وَلَا تَذَلُّلِ
سَأَكْتُبُكِ يَا قُدْسُ دُونَ تَجَمُّلٍ
وَيَذْكُرُكِ حَتَّى صَوْتُ صَفِيرِ الْبُلْبُلِ
3
عَزِيزَاً فِي غزة ذَكَرْتُهُ فِي أَلْيَلِي
صَوْتُهُ مِثْلَ صَوْتِ مَاءٍ مُتَسَرْبِلِ
كَانَ غَضًّاً أَنِيقَاً قَمَرِيَّ الطَّلَّةِ
فِي الدُّجَى وَرَشيقَاً مثل الْبُعْبُلِ
الْشَّمْسُ تُشْرِقُ بِشُعَاعِهَا
وَهُوَ شَمْسٌ لم تَغِبْ ولَمْ تَأفَلِ
وَالْقَمَرُ يُشِعُّ بِنُورِهِ وَهُوَ
بَدْرٌ في الظَّلَامِ كَالمِشْعَلِ
كُأَنَّهُ الأُقْحُوَانَةُ تَحْتَ النَّدَى
مُشْرِقَةً بَقِيَتْ وَلَمْ تَذْبُلِ
4
بَدْرٌ بَدَا فِي الدُّجَى وَثَغْرٌ بَاسِمٌ
وَقَدٌّ كَغُصْنِ الْبَانِ لم يَتَهَدَّلِ
مُتَوَاتِرٌ حُبُّهُ وَقَلْبُهُ مُرْسَلٌ
وَعَيْنٌ كَعَيْنِ المَهَا الأَكْحَلِ
لَوْ رَأَيْتَهُ لَطَلَبْتَ الرِّضَا فَإِنْ أَشَ
احَ بِوَجْهِهِ فَالْظَلَامُ لم يَنْجَلِي
وَإِنْ غَابَ تَجْلِجَلَتْ الْأَنْفَاسُ
فِي الصُّدُورِ مِثْلَ خُفٍّ سَنْدَلِ
عَشِقَ قَوَافِي شِعْرِي كُلَّهَا مُسْ
تَفْعِلُنْ مَجْزُوء الرَّجْزِ فِي مُسْتَفْعِلِ!
صَوْتُهُ نَبْعُ أَلحَانٍ شَجِيٌ
وَلَحْنُهُ كَلَحْنِ صَوْتِ البُلْبُلِ
5
أَلَا بَكَرَ بِطَلَّتِهِ يَعْذِلُ وَهُوَ
فِي فِعْلِهِ كَلَأَ وَلَمْ يَجْهَلِ
يَتَمَنَّى أَنْ يُجَادَ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ
لَا يَجُودُ بِالْهَوَى وَلَنْ يَفْعَلِ
وَإِنْ زَارَ بِلَيْلٍ ذَيْلُهُ مُسْدَلٌ
وَوَجْهُهُ بَدْرٌ وَمَا هُوَ بِطُلْطُلِ
وَإِنْ نَامَ الْجِفْنُ كَانَ عُلَالَةً
كَأَنَّ الطَّيفَ سَيَأْتِي بِالهَطْلِ
6
غَدَرُ البَعِيدِ كَأْسٌ مُرَّةٌ وَغَدْرُ
الْعَزِيزِ أَمَرُّ مِنْ طَعْمِ الْحَنْظَلِ
فِي الْأَوَّلَيْنِ لَنَا عِبَرٌ امْرؤ القَ
يسِ والْعَبْسِيُّ وفي الْمُهَلْهَلِ
لَهُمْ في طَرَفُة والْأَعْشَى قُدْوَة
وَنَقْتَدِي بِحَسَّانٍ وَكَعْبٍ الْجَوْزَلِ
أَرْبَعَةُ رَاشِدِينَ أَهْلُ تَقْوَى ثَانِيَ
اثْنَيْنِ وَعُمَرَ ذُو المِيزَانِ الأَعْدَلِ
وَذُو الْنُورَيْنِ جَمَعَ الْقُرْآنَ
بِنُورِهِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ أَمْيَلِ
وَزَوْجُ الزَّهْرَاءِ فَتَىً جَسُورًا
سَيْفُهُ ذُو الْفَقَارِ المُجَنْدِلِ
وَحَمْزَةٌ مِنْ أُسُوَدِ اللَّهِ
ذَادَ عَنْ حَوْضِ النَّبِيِّ الْأنْبَلِ
وَخَالِدٌ فِي الْيَرْمُوكِ سَيْفٌ
مَسْلُولٌ مِثْلَ رَعْدٍ صَلْصَلِ
سَمَوْنَا بِنَبِيِّنَا الْمُصْطَفَى لَهُ الْحَسَبُ
وَلَهُ النَّسَبُ فَنِعْمَ صَاحِبُ التَّفَضُّلِ
كَرِيمُ النَّسَبِ مُحَمَّدٌ كَفُّهُ عَلَى
الْمَلْهُوفِ لَمْ تُقْبَضْ وَلَمْ تَبْخَلِ
7
تَدَفَّقَتْ الْأَحْزَابُ إلَى يَثْرِبَ
وَاجْتَمَعَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الهَيَاطِلِ
وَابْنُ وُدٍّ عَلَى صَهْوَةِ جَوَادِهِ
قَعْقَعَ وَقَعَقَعَ أَتَى لِمَوْتٍ مُعَجَّلِ
وَابْنُ أُمَيَّةَ سَارَ بِأَرْكَانِ جَيْشِهِ يَعْتَلِي
وَالسُيُوفُ عَلَيْهِ تَغْلِي كَأَنَّهَا فِي مِرْجَلِ
وَصَاحِبُ الْجَهَالَةِ يَضْرِبُ كَفَّيْهِ
فِي وَحْلِهِ فَرَمَاهُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ بِالنَّيْطَلِ
وَابْنُ الْمُغِيرَةِ جَاءَ كَالْجَوَادِ الأَخْيَلِ
وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ أَصْغَرُ مِنْ حَبِّ الْخَرْدَلِ
وَفِي الْكَثِيبِ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ
غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَاتَ مِثْلَ الطُّنْبُلِ