ممدوح رزق يتلصص على «كل ما خفي عنه»

ممدوح رزق يتلصص على «كل ما خفي عنه»

د. محمد قنديل

عن دار عرب في مصر صدرت المجموعة الشعرية (كل ما خفي عنك) لممدوح رزق، وهي المجموعة الخامسة لكاتب متعدد المواهب، غزير الإنتاج، تتنوع بصماته الفارقة إبداعاً ونقداً، بالإضافة إلى ترجماته المتميزة للشعر، مثل ترجمته لمختارات الشاعرات الأمريكيات راي آرمانتروت، ولوسيل كليفتون، وفيكتوريا تشانغ.

تتحرر قصائد ممدوح رزق في مجموعته الجديدة (كل ما خفي عنك) من الأسر الرجعي لمفهوم الشعرية، أو بمعنى آخر مما كانت اللغة تعتمده سابقاً في استثمارها البلاغي التقليدي لتفادي المواجهة الحية مع الذاكرة. قصائد تمثل تحدياً وإزعاجاً لأولئك الذين استأنسهم المنظور التراثي الضيق، وهو ما لا يكلف استنساخ شعريته جهداً، لاسيّما الاحتشاد المجازي لذلك المنظور عوضاً عن افتقاره لشجاعة التمرد على الماضي واستجوابه.

نتحدث عن قصائد تتسم بالذكاء في اصطياد لحظاتها، التي غالباً ما تكون مجسّدة في صور بصرية مدهشة بذلك التعقيد الخفي الذي تنطوي عليه بساطتها الظاهرية، وأيضاً البراعة في إعادة تركيب هذه الصور بالإشارات المكثفة التي تفجر أعمق تناقضاتها، كما يُلاحظ ذلك الإلهام الكامن في العديد من القصائد باختيار الكلمات الأخيرة كعنوان، وكأن ممدوح رزق يوحي لقارئه بأن الإيماءة التي تنتهي بها بنية القصيدة هي الرعشة الوداعية للحياة ذاتها ومن ثمّ تلخصها، تكشفها، توثق نفسها كتسمية دالة على أشباحها مثلما نقرأ في قصيدة (شبح عالق في السماء):

كما لو أنه لا يعرف أن طفلًا يراقبه

ويلتقط صورًا مختلسة لجسده العابر ببطء 

حتى يلتهمها حين يعود لمخبأه 

وليترك دماءها الملتصقة 

على حافة النافذة 

وداعًا لشبحه العالق في السماء.

القصيدة التي اختار ممدوح رزق عنوانها كاسم للمجموعة (كل ما خفي عنك) بوسعها أن تكون بالفعل دليلاً جمالياً لمقاربة قصائدها ككل، فالشاعر يشتبك مع الخفاء الذي يمتد من (المدينة التي تسكر متاهاتها بلهاث جوعك)، وحتى ما وراء (الأفق الغائم الذي لا يدين لأحد بالوصول) كما في قصيدة (أفق غائم).

هنا نكون أمام (الخفاء) في ذاته، الذي يعلن عن حضوره بواسطة (الساعة القديمة) التي لا يمكنها القبض على حقيقة الزمن وليس الزمن فحسب كما في قصيدة (الساعة القديمة)، مثلما لا يكفي (مراقبة الوجوه بطرف عين) أو (التحديق من وراء النوافذ المظلمة) لكي يٌكتشف معنى (البتر) كما في قصيدة (تشبث اليدين).

(كل ما خفي عنك) هو موضع السؤال: هل يكفي تخيّله (استنادًا إلى نظرة ميتة) أو (حلم متطاير) أو (عواء يذيبه الصمت فوق أجساد العابرين)؟ السؤال الذي سيظل دائماً بلا إجابة، لأن الشاعر نفسه مكوّن من هذا (الخفاء)، أي أن ذاته يشكلها هذا الغياب للحقيقة (لأنك وحسب / لست إلا كل ما خفي عنك)، وبالتالي فالشاعر يتنازعه هذا الجدل بين تخيّل ما لا يقوى على اقتحامه وتمثل أسرار المدينة نموذجاً له ـ يدرك ممدوح رزق أن تحديد أي من هذه الأسرار سيكون اختزالاً ساذجاً لوحشية الخفاء التي يقوم عليها النص ـ وبين قدرة الخيال على تعويض ما لا يعرفه الشاعر فعلياً بالنظر إلى كونه قد خُلق كلياً وبالأساس من هذه اللامعرفة التي يحاول مقاومتها.

هنا تأتي أهمية التكثيف الذي يتبناه ممدوح رزق والذي يثبت وعيه التام بما يفعله لغوياً وأسلوبياً، فهو يجعل من هذا التكثيف، أي الحد الأدنى من الكلمات، مقابلاً لتلك اللامعرفة التي تحدثنا عنها، وفي نفس الوقت يصوّر الانزواء شكلياً والمتسق مع المراقبة والتلصص والتخيّل من وراء الصمت، أي أن ممدوح رزق يتعامل مع الخفاء بالخفاء مثلما يتعامل مع غياب الحقيقة بغياب اللغة (إخضاعها لإيماءات وشذرات بالغة الحدة)، كأنه بالضبط يحاول مراوغة ذاته المحكومة باللامعرفة أو (كل ما خفي عنه)، وبما تتطلبه وتنتجه هذه المراوغة من عناد للمواءمة والاستقرار.


ناقد ومدير تحرير دورية (المساكن) الأدبية

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.