تديُّن على الرمال

تديُّن على الرمال

اللوحة: الفنان الإنجليزي جون فريدريك لويس

التدين طاقة تشتغل في حقل الصلاح والإصلاح المؤمن، ولو اشتغلت في غير ذلك فهي طاقة مقيدة ومهدرة، والتدين سهم يتجه إلى أهداف صالحة، ولكن كثيرا ما يطيش سهم تدين أغلب الناس، فينكمشوا في زاوية من التدين الصارخ في ظاهره والقليل في باطنه، يُذَكِّرني فقراء الإيمان والمتمسكون بمظهره لا جوهره، بشخص بدأ رحلة لسفر بعيد تتخللها محطات للاستراحة، وفي المحطات المبكرة تعلق بشخص أو مكان أو مناخ فقعد وأوهم نفسه بأنها محطة الوصول.

أثناء الحرب الباردة، قال شاه إيران حليف الغرب: “إن إيران مثل ترباس الباب الرئيسي، لو هاجمه مقتحم فحتما سوف ينكسر ويفتح الباب، ولكنه سوف يصمد وقتا يكفي ليقظة وتجهز من في البيت لمواجهة المقتحم، فجيش إيران هو ترباس أوربا حين يهاجمها الإتحاد السوفيتي“.

حين اندلعت الثورة الإيرانية عام 1979م، وشاهدت الخميني يهبط في إيران على متن طائرة فرنسية ومعه صحفيون غربيون، وكنت مندهشا لتخلي الأمريكان عن حليفهم وترباسه، ثم جاءت الإجابة عبر سلسلة الحروب الطائفية التي اندلعت في العالم العربي، وأدركت أن الغرب وحكام الشعوب، لا يزعجهم تدين الشعوب بقدر اهتمامهم بنوع التدين، حين يكون التدين بلا أساس وكأنه بناء على الرمال، لا تُقَاوَم الموجات الدينية وتمر بسلام، لأنهم يعرفون ثمرتها المُرَّة أو العَقيمة، ولكن حين يُبنى على أساس من الإيمان والعمل الصالح والسلام، يتم مقاومته واستئصاله مبكرا قبل أنْ ينمو وينتشر، وبهذا فعبر قرن كامل في الوطن العربي لم تمر موجة دينية دون اختبار وقصد ثم سماحية من العالم الغربي والحكومات المستبدة، فإن كانت الموجة تحمل تعصب وطائفية وسذاجة وميل للاستفراد بالساحة ونفي الآخر، يمررها الفخ الغربي، وإن كانت تحمل سلما وسلاما للآخر وتعاون على المشتركات، وُئِدَت مبكرا.

في كتاب خالد محمد خالد “قصتي مع الحياة”، يَحكي أنه في صباه، عام 1930 كان يصحبه أخوه الأكبر للصلاة في الأزهر، وكان أصدقاء أخيه من الجمعية الشرعية يعفون اللحية ويقصّون الشوارب ويتعمَّمون فوق “طاقية أو طربوش” بعمامة ينسدل منها “ذٌؤَّابة” من الخلف، يقتدون بملابس الرسول ﷺ، وكانوا يتحدثون عن أهمية الطمأنينة السابغة في الصلاة وعدم نقرها نقر الغراب كما جاء في الحديث النبوي، ولهذا كانوا ينتظروا حتى يفرغ الإمام من صلاة الفرض، ثم يقومون للصلاة في جماعة خاصة، ربما تستغرق الفريضة نصف الساعة أو تزيد.

ذكرتني هذه القصة بما رأيته عام 2019 في “خميس مشيط” بالسعودية، حيث كان هناك مسجد شهير يصلى فيه باطمئنان بحيث تستغرق الصلاة ساعة وربما ساعات بحسب وقت الفرض، وبالتفكير في هذه القصص نستنتج بسهولة أن من يختار هذا النوع من التدين العبادي يستهلك معظم طاقة التدين في هذه الصلاة، ولا يتبقى إلا القليل من هذه الطاقة لتصب في المجتمع.

دفعني هذا التأمل إلى تجارب مررت بها في حياتي ما بين (1980 وحتى 2015) عاصرت فيها نماذج من التدين، هي قصص كانت كثيرة وقتها، وقد تكون أخف في حدتها اليوم، ولكني أرى في ذكرها فائدة.

في أول الشباب، كنا نصلي في المسجد ثم نخرج ونتبادل التحايا والكلام، يخرج شاب لا يعرفه بعضنا، ويسلم على صديقنا ويحادثه قليلا ثم ينصرف، وفي تلقائية نسأل صديقنا: “هو ده أخ؟

هذا المصطلح وقتها يعني، هل هو إنسان عامي أم متدين، وهل يمتلك تلك الأفكار الدينية التي لدينا، فكونه يصلي بالمسجد لا يكفي، فالأصل ما يَحمل من أفكار دينية.

ومرت السنون، وظل يتكرر نفس المشهد والسؤال، ولكن مَدلولَهُ تعقد كثيرا، ربما كان ملتحيا ويلبس الجلباب، لكن أصبح سؤالا أكثر تخصصا وحصرا، فكلمة “أخ” لم تعد تعني متدين فقط.، بل لا بد من مضاف إليه، أخ سلفي – إخواني – تكفيري – تبليغ … إلخ، ومع ذلك كنَّا نظن أننا في خير حال ونمتلك وعيا يميزنا عن بقية الشعب، الذي لا يحمل لقب أخ“.

كان الدين في السجون بقرار سياسي زمن “ناصر”، ومنع عن الناس، ثم أخرج “السادات” الدين بقرار سياسي معاكس بغرض مطاردة اليساريين، وتناوله الشباب تناول الظمآن الشره، ولم تترك السياسة الشباب المتدين يتشرب الدين صافيا.

فعاش الشباب المتدين داخل قنوات دينية مفروضة عليه، دين معجون بماء السياسة وحلم السلطان الذي بكلمة واحدة يغير الحال، وسقط بغفلته وسذاجته في التصنيف، الذي أفرغوا فيه طاقة تدينهم.

كنت أعمل بالخليج، وكان لي خمسة زملاء مهندسين سلفيين، وحين أرادوا استدعاء زوجاتهم وأولادهم من مصر قاموا بحجز تذاكر طيران ذهاب وعودة في نفس اليوم، ليكونا في صحبة زوجاتهم في الطائرة، وهذا يتكلف مالا كثيرا، وحين سألت عن السبب، قالوا: “هناك فتوى بأن المرأة لا يجب أن تسافر دون محرم، لأنها قد تضعف نفسيتها وتستجيب للفتنة”، وحين حاججتهم بأنَّ الرحلة تستغرق ثلاث ساعات وسط الزحام بالطائرة، فكيف نخشى عليها الفتنة، بينما تحيا وحدها مع الأولاد في مصر لشهور وربما أعوام، قالوا: “هذه فتوى من العلماء نقتدي بها.

هؤلاء الشباب تدينوا في محطة مبكرة، وحصروا تدينهم في منح عقولهم ودينهم لفتاوى الماضي، ولم يتمتعوا بهواء أفكار العصر، فأفرغوا طاقة دينهم في نشاط الطاعوية للعقل السلفي فقط.

وفي يوم عرَّفني صديقي برفيق له ثم قال له: “سجل اسمه في الدفتر يا شيخ فلان!”، ثم أعطاه اسمي!، فلما نال صديقي حظه من التمتع بنظرة الدهشة على وجهي، قال: “الشيخ يعمل بالحديث الذي يشيد بثواب من يدعو لأخيه بظهر الغيب، وعقب صلاة الفجر يتلو الاذكار؛ ثم يمسك بورقة بها عدد من الأصدقاء، ويدعو لهم بظهر الغيب، ويقوم بهذا يوميا عقب كل صلاة لمدة ساعات، لأنه يطمع أن تدعو له الملائكة وتقول له: (ولك مثل ذلك).

لم أستنكر وقتها هذا الحديث، فالرجل يريد ان ينال بالدعاء خيرا وبركة، وكان من المعتاد عندما نفترق، نتواصى بالدعاء، ربما يكون دعاء أخي لي؛ أبرك من دعائي لنفسي، ولكن، هذا الرجل أفرغ طاقته الدينية في هذا النشاط، واشتغل على نظرية، أحب الصالحين ولست منهم عسى أن أنال بهم شفاعة، هذه العبادة الصوفية محطة مبكرة أفرغ فيها طاقة إيمانه، ولا أدري هل بقي منها ما يَسكب صلاحا في المجتمع أم ملأ إناء تدينه بنشاط الدعاء.

كان لي صديق مغرم بسماع خطب ومحاضرات من تيار ديني واحد، وكان يطلب مني سماعهم فأستجيب، وعرضت عليه يوما محاضرات دينية من شخصيات أخرى فرفض، وقال: “أخشى أن تؤثر على عقيدتي”، وأخبرني أنه مطمئن قلبه لما يسمع ولا يريد فكرا آخر قد يشوش عليه إيمانه، ولما حاولت إقناعه أن لا بُد من عَرض كل الأفكار على العقل حتى يكتسب مناعة ولكي يختار بحرية، رفض الفكرة، لأنه يتصور أن مجرد مرور فكرة على الخاطر قد تنزلق به إلى الخروج من شرنقة الأمان الإيماني التي يقبع فيها.

في يوم صليت بالمسجد المجاور ولاحظت أن السجاد جديد، وللسجاد الجديد رائحة معروفة، ولكني شممت رائحة أخرى تزداد حدتها حين أسجد، وأتممت صلاتي ثم انصرفت، وعندما دخلت البيت نبهتني زوجتي إلى بقع سوداء في البنطلون، ولم يكن إزالة تلك البقع سهلا، وبعد أيام أدركت ما حدث، فقد لاحظ صاحب المسجد أن السجاد الجديد به خطوط متقاطعة وقد يُظن أنها صلبان، وهذه الخطوط متكررة في جنبات السجاد، فهداه تفكيره إلى صبغ دائرة سوداء على هذه الخطوط، وللأسف كانت الصبغة من النوع الذي يلتصق بالملابس، وتسبب هذا الاجتهاد في مشقة للناس، وحين أتأمل في هذه القصة أكتشف أن العقدة بداخله، فأغلب الأشكال تتكون من خطوط متقاطعة، ولو طارد شكل يشبه الصلبان لتوهمها في أغلب الأشكال فتصبح قصة بلا نهاية، ولو تتبعنا الديانات كلها بما يتخذونه من أشكال لما صفا لنا شكل هندسي، ولكن طاقة التدين عنده ضخمت فكرة مخالفة التشبه بالأديان الأخرى فكان ما كان.

هذه الأنماط من التدين لا تقتصر فقط على الدين الإسلامي، بل كل الأديان بكافة أنواعها، لأنها تتوقف على طبيعة الفرد وعقلية الإنسان، هناك الروحاني والنصوصي والعقلاني والمصلح.. إلخ، والذي يضبط هذه التدينات هو تصور “أن الإنسان خليفة الله في الأرض”، والخلافة تصب في صالح الناس والمكان، فما أحدث هذا الأثر فهو تدين على أساس، وما خلا من هذا الأثر فهو تدين على الرمال.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.