ضيف ثقيل

ضيف ثقيل

هيام علي الجاويش

اللوحة: الفنان العراقي ناصر حجي كسو

زارني بعد منتصف الليل، يا لوقاحته! كنت في سريري، دخل دون استئذان، تجاهلته، وجعلت الغطاء على وجهي، إلا أن هذا لم يمنعه من أن يعبث بجفوني ويقهقه، كدت أغفو، لكن وجوده منعني.

في السابق كانت زياراته متقطعة، وكان يحمل معه عدة الأنس والسهر؛ فأجده خفيف الظل والمعشر، أحلم وأخطط، وأذلل أمامه المشكلات، وأحيانا نقوم بأعمال البيت، لا هو يشعر بالضيق ولا أنا، و في الصباح كنت أستيقظ نشطة ندية، أما الآن وقد وهن العظم مني وبلغت من العمر عتيا، فلم أعد أقوى لا على السهر، ولا على العمل، ولم يعد عندي ما أقوله أو أفعله أو حتى أحلم به، فبت أتله من الناصية والجبين وأدفعه بعيدا عني، لكن عبثا، فقلت: لا حياك الله ولا بياك، لا أهلا ولا سهلا، قبحك الله أينما حللت، ونهضت أسير على أطراف أصابعي وأنا أجره ورائي كي لا أوقظ أحدا، فهو دائما ما يفعلها، لا يأتي إلا بعد أن ينام الجميع، ولا راد له ولا رادع!

ولجت إلى المطبخ لأعد شرابا يليق بهذا الزائر؛ فأصرفه عني بالسرعة القصوى قبل أن يستيقظ زوجي ولا يجدني إلى جواره.

فتحت صنبور الماء بتأنٍ، لكن الكوب سقط من يدي وتحطم، انكمشتُ في جلدي مخافة أن يستيقظ أحد، وعندما تيقنت أن ارتطام وتكسير الزجاج مر بسلام، قمت بعملية التنظيف بسرعة كبيرة.

ذهبت إلى الغرفة التي ترقد فيها ابنتي مع ولدها الصغير، فقد زارتنا بالأمس، وجميل أن تقضي معنا بضعة أيام، تعمدت أن أحدث ضجيجا قرب سرير حفيدي لعله يستيقظ، وأمضي معه بعض الوقت بعيدا عن عيون ابنتي، لعل هذا الثقيل يمل وينصرف.

كان الصغير مستغرقا في نوم عميق، قبلته وهمست في أذنه، داعبت أنفه، دغدغت رقبته، عبثت بشعره، هززته، وأزحت الغطاء عنه، قلبته ونهرته، رفعته ثم احتضنته، كان مستسلما تماما لسلطان النوم، كل ما فعله أن تلوى وتلمظ وتمطى، ودخل في سباته مرة أخرى، فخاب أملي وتركته، وبت أدور كشبح متنقلة في أرجاء البيت وضيفي معي، تارة يسير أمامي وتارة خلفي وعن يميني وعن شمالي.

يا الله! حتى الكهرباء تعاندني؟ أريد مشاهدة التلفاز! كيف سأمضي الوقت الملول مع هذا السمج الآن؟ أمسكت بكتاب، وجلسنا سويا على ضوء شمعة، البصر ضعيف والضوء خافت، والنظارة كسرها حفيدي البارحة! فقصدت سريرا آخر في غرفة مغايرة، متجاهلة زائري لعله يذهب من تلقاء ذاته، فوجدت نفسي معه وجها لوجه في السرير! 

يا وجه الشؤم ألم تذهب بعد؟ هل مقدر لي أن أمضي بقية الليل معك؟ ألم تفهم بعد؟ لم يعد الحال كما كان، لا رغبة لي فيك، وليس لدي أي عمل أقوم به، ولم أعد أقوى على السهر، تبا من ترك لك الباب مواربا؟ ولم أجد ما أقوله غير قول الحطيئة حين هجا أباه:

لَحاكَ اللَهُ ثُمَّ لَحاكَ حَقّاً

أَباً وَلَحاكَ مِن عَمٍّ وَخالِ

فَنِعمَ الشَيخُ أَنتَ عَلى المَخازِي

وَبِئسَ الشَيخُ أَنتَ لَدى المَعالي

جَمَعتَ اللُؤمَ لا حَيّاكَ رَبّي

وَأَبوابَ السَفاهَةِ وَالضَلالِ

 حزن مني، لكنه احتضنني، وأبى أن يفارقني، أف، أف! أدرت ظهري فقفز إلى الجهة الأخرى وبات يقلب وجهه كيفما أقلب وجهي، وباءت كل محاولاتي بالفشل فهو يأبى الابتعاد عني، يظل ملازما لعيوني، هو هنا من أجلي أنا! سيبقى حتى أغفو رغما عنه، وعندها سيرحل، وأنا لا أستطيع أن أغفو وهو ما يزال يراوغني، فما كان مني إلا أن بادلته الاحتضان واحتويته.

دسست نفسي تحت الغطاء، وهو يندس معي دونما خجل أو وجل، أغمضت عيوني، وكتمت أنفاسي، وتصلبت في مكاني مخافة أن يستيقظ أحد.

الأفكار والذكريات المؤلمة تعبث بعقلي وقلبي، كما عبث هو بجفوني، فشرعت بالدعاء حتى غفوت؛ فرحل.

في الصباح تناهى لي صوت زوجي يقول: لا توقظوها، إنها لم تنم ليلة البارحة، فقلت في سري: لعل الأرق زاره مثلي!

رأيان على “ضيف ثقيل

  1. وجلسنا سويا على ضوء شمعة،
    البصر ضعيف والضوء خافت،
    المبدعة هيام…
    كم هام الفكر وجال وكم كتبَ…
    والأرق يرتسم فوق الجفون حتى
    إتمام الفكرة – الكتابة النور للعالم.
    مبارك ما وهبك الله من الإبداع والثقافة
    والكتابة.
    بكل الود: وهيب

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.