سليمة

سليمة

اللوحة: الفنان الألماني هاينريش هيرت

سليم الشيخلي

الحياة تسير ببطء يرسم الملل والكآبة على الجدران، اللغة والبيانات الرسمية، ولهذا هرب الناس إلى داخل غرفهم الموصدة كي يحسوا بالأمن أو ترتيب قدر يحملهم الى الأردن في لعبة جديدة مع الحظ. ما يوازن هذا الوضع لي الراحة التي أحسها داخل البيت من توزيع العمل بين الجميع، الأجساد المكسوة بالدفء والحركة، إلاّ أم أمين التي تعمل بهدوء، تهزل وسياج حولها ينبىء عن شيء ما. عندما يأتي المساء تدخل أولادها فيه وتقرأ لهم بعض الكتب من صندوق أمين الذي لا أعلم متى وكيف ضاع مفتاحه. جلست في زاوية الغرفة استمع إليها لتستمر دون أن تتوقف في شرح رواية الأم. سكون كهف بعيد يحركه صوتها الهادىء ثم أعادت جلستها فجاء الصوت من مكان بعيد

– يجب أن يحل السلام العادل في داخل الإنسان وعلى الأرض كلها، تجنبوا إيذاء الآخرين، فكر قبل أن تتحرك وبالحب تحرك متى استطعت فالناس سواسية وما الفرق إلا بالاستغلال.

ثم قرأت قصيدة قصيرة وأصبحتهم على خير بابتسامة شفافة أرسلت حصتي منها رغم رؤيتها الدهشة على كياني كله.

– لماذا فتحت الصندوق؟

–  ولماذا يبقى مغلقاً؟

لم أتوقع ردها سؤالاً يلتصق على وجهي صفعة من باقة زهور، كان داخل الصندوق ما تبقّى من عطر أمين وأسراره، أحس أن جزءاً مني يعرض في مزاد داخل البيت، اعتقد إن ملكيته مقدسة ولا يجب أن تنتهك لذا قلت بحدة :-

– إنها حاجيات أمين.

– وأمين جدهم وهم ورثة ثروته الفكرية والإنسانية ولا بد أن يعرفوا العالم الأرحب ومبادئ العيش مع الآخرين. إنها ترياق للسم الذي ينتشر فيالشارع ووسائل الإعلام. أخذتها إلى صدري قائلة:

– سليمة، لا أريد لهم الموت.

– إنها الحياة يا عمتي.

أي براكين خامدة تحركها هذه المرأة، إنها تحفر تاريخاً دفنته خوفاً بعد اغتيال أمين ، أخاف أن يتكرر مرة ثانية، لكنه القدر أراه ينظر إلي بطرف عينيه متحدياً بلعبة لست كفؤاً لها ليرى ردة فعلي. خرجت وأنا أتمتم: للبيت رب يحميه. ثم التفت إليها محذرة فالناس تكتب عن نفسها تقارير إن لم تجد ضحية. أحسست أنها جادة في مسيرة رسمتها منذ زمان، تزرع موروثاً عتيقاً أضاعه الساسة في زحمة حروب طويلة لم تنته بعد. ظلت سنداناً لم تؤثر فيه مطرقتي ليسقط في يدي، تركتها متفرجة بتشجيع خفي تبني بصمت جسراً للآمال الضائعة. أحببتها كثيراً، بدأت أخفف عنها أعباء المنزل لتقوم بواجبها الجديد. أي شيء تحمل هذه الكتب الساحرة المختبئة في غرف سرية في رحمها والتي تخلق داخل الجسد إنساناً من نوع آخر !.

استقر بي المقام وبدأت أعيش كل لحظة هنا فالصبح صباحي والمدينة أختي ونفس الشمس صديقة شتائي. أخرج من البيت الذي رسمت على إيقاعه بعضاً مما كنت أراه أو تعلمته هناك في عمان من الترتيب والنظام ليدخل حياة الجميع بوسائل قد تكون دكتاتورية محببة بعض الأوقات كعدم الأكل بين الوجبات، تقنين اللحوم، دجاجة واحدة في الشهر. زيارات للجيران يمدوني بالحب وأمدهم بالأمل لتبقى جسورنا مضاءة رغم انقطاع التيار الكهربائي المتكرر. ساعدني حمزة على ذلك كثيراً. مد يداً من العون جعلتني أشركه في حواراتي الذاتية فكان رجل المواقف الصعبة. لم يكن يخاف السلطة لكنه يتجنبها بخبث ذكي، يبدل الأسماء التي تثير المشاكل بأسماء تخفي مدلولاتها بشفافية كأن يصبح اسم هبل مصطفى مرة وأخرى حميد، كان كريماً مع أفراد الأسرة بمشاعره وأكياس الفواكه التي يجلبها معه بعض الأحيان.

بدأ سعد الصغير يتسلل إلى قلبي بكلماته المبعثرة وبراءته،  بمشيته المتعثرة، “بيبي التي تنطلق كالعصافير من فمه الصغير،  بركضه حول نفسه وهو ينظر إلى الأسفل مسابقاً الضوء الصادر من حذائه الجديد، أجلسه في حجري ومثل القطة أمسح على جسده فتطير عصفورة كفه لتلامس حنكي بأنامل ملائكية لا يمكن مقارنتها أو وصفها بأي شيء حولي. يستسلم لي بإغفاءة وأستسلم له بانتشاء. رسمنا معاهدة حب وصداقة بنظراتنا،بأولى الكلمات التي يرسمها على شفتيه، بتلك الرائحة الخاصة بنا والشوكولاتة التي يعرف أين أخبئها فيجرني إليها مؤشراً إلى مكانها، فكبرت لبلابة مضيئة جعلته يفك أكثر ارتباطاته بالآخرين لحسابي. إيه سعد. أين أنت الآن؟ أي عناد يجعلك تختفي كل هذه السنوات! لن أصدق أنك تحت الأرض. قد تكون في السويد أو القطب الجنوبي أو فقدت الذاكرة لكن لا أقوى على تخيلك أبداً تحت الأرض. إنه قلب الأم أكبر من سماء لم تقلب بعد، يقرأ ما لم ترسمه خطوط اليد أو فناجين القهوة.

شغف قلبي أمين فلذة كبدي رغم أن قبلته سريعة وتحيته سريعة وكل شيء في حياته يسير بسرعة كرة القدم التي تسرقه أكثر الأوقات من البيت،يذهب إلى المدرسة ليعود بعد ساعتين أو أقل بأعذار مثل غاب المعلم، أكثر الحصص شاغرة، كثير من المعلمين لا يقوى على دفع أجرة المواصلات. حلقات غير متصلة يشترك هنا الجميع من معاناة دخلت فسيفساء حياتنا اليومية فأفسدتها بشكل مأساوي، بفقر يكسر عظام الرقبة لذا تجيء الحياة هكذا. كان عزائي أن أمه تعلمه وأخته تسد الفراغ الذي خلقه الجو الدراسي العام بطريقة محببة وبمعلومات أكثر، أحس ذلك من النتائج الامتحانية، من طريقة تعبيرهم عن ذواتهم، كتابتهم في الكراسات المدرسية، الأسئلة التي يحرجونني بها لتماسها مع السياسة أو الدين بعض الأحيان وتقاطع بعضهما في نقاط حساسة.

– لماذا لا تتذكرون كل حاجياتكم مرة واحدة؟

هكذا كان الأمين، الأسمر، الضئيل، الذكي يقول عندما نرسله لشراء شيء ما مهدداً أن يشتري “بالفكة” المتبقية شيئاً له.

لم تكن سميرة بجمال عمتها بل إن البراءة المختبئة خلف نهايات الطفولة وحبة الليمون على صدرها تزيدها حلاوة وتنبئ أن لها شأناً آتياً يتقاطع في أماكن عديدة مع ما تتعلمه وتفكر به، تساعد أمها وتلازمها رغم أني بدأت أسرق من وقتها حباً لم أعرفه من قبل، أنهم يكبرون واقفين ظلالاً نتقيأ تحتها.

– أحبك يا جدتي مثل أمي.

– وأنا أحبك مثل الذين حولي. وأبتسم لأضيف ومثل الذين رحلوا.

– أشم بك رائحة جدي وأبي.

 وأنا أشم بك أياماً ستأتي ذات ربيع تكنس شوارع المدينة. ثم أضفت. هل تحبينهما؟

– أ كثر من روحي رغم أني لم أر جدي ولم أتذكر إلا ضباباً على وجه أبي، رحمهم الله.

تقولها وهي تنظر إلى السماء علَّ تلك العربات تأتي بهم لتكمل فرحتها. تسهر معي بعض الأوقات تسألني عن أيام زمان وناسها، والخوف هل هو نفس الخوف الذي نعيشه. أسئلة عديدة جعلتني أحس كم كوات كان يجب أن تكون مغلقة فتحتها أم أمين في رأس هذه الصغيرة ليدخل إليها من رائحة الثورة والبارود ما يكفي لإفساد طفولتها ومراهقتها.

– حذار يا ابنتي أن تتحدثي مثل هذا خارج البيت. انتبهي لكل كلمة. ليس هناك أمان. الناس تتسلق فوق الناس وقد تختنقين في زحمتهم.

– أليس ذلك أرحم من هذه الحياة؟

– من قال ذلك. ألم تسمعي تلك الحكمة التي لم تكتب بل تتناقلها شفاه الممتلئين أملاً “الحياة جميلة يا صاحبي“.

– لكن الناس تموت بصمت يا جدتي. في بلد غني بالتاريخ والمال والناس. تصوري سيف البطاقة التموينية ورحمتها على الفقراء المنتشرين على أرض الوطن ويعاملون كالحشرات. بالولاء وحده يعيش الفقراء.

أدهشني ما سمعت فقررت أن أبتر الحديث خوف المياه العميقة. كم يكون الغباء نعمة في مثل هذه الظروف. فتاة في الخامسة عشرة تعطي هدية جدتها اللعبة التي تزهو بأغنية يرددها الجميع إلى طفلة أخرى لتستمتع بالحوار الساخن. ماذا تفعلين يا أم أمين؟ أم أن الحياة تسير هكذا دون وعي منا؟

– أرجوك أن لا تعيدي ما قلت ولا تفكري به. اهتمي بحياتك ودعي الخلق للخالق يرحمنا برحمته والقناعة كنز لا يفنى.

– القناعة بدون طموح قيد يا جدتي.

أخذتها إلى صدري أحسست بلزوجة أنفاسها الدافئة تكتب عليه أنشودة الأمل للأرض البكر لأحلام بسيطة، حرية، أمن، سلام، فأحسست بالهوان والتاريخ يمر أمامي مسلولاً مكتوباً بسيوف السلاطين وأقلام الفاتحين بدماء الفقراء. مسحت على رأسها وأنا أدمدم.. “أريد الله يبين حوبتي بيهم.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.