ذكريات لا تنسى

ذكريات لا تنسى

اللوحة: الفنان البلغاري ترايكو بوبوف

د. مصطفى الجوزو

أنا وفيروز

أخبرنا الموسيقار محمد فليفل، طيب الله ثراه، أنا وزمرة من زملاء الدراسة ذات يوم، أنه هو مكتشف المطربة فيروز، إذ كانت تلميذة له، ولم تكن تجيد الانتقال إلى أحد المقامات الموسيقية، لكنه ظل يلح عليها حتى استقام لها الأمر. 

أما أنا، فقد كنت بعد زمن تلميذاً له أيضاً، لكن في دار المعلمين الابتدائية، واختارني لأشارك في جوقة المدرسة الغنائية. 

وفي أحد الأصابيح أخذ يعزف على البيانو ثم يتوقف ويوقف غناء الجوقة أيضاً ليقول: هناك صوت ناشز؛ ثم يتابع العزف لعل صاحب الصوت يصلح أداءه. وظل على ذلك هنيهة، ثم توقف فجأة توقفاً تاماً. لقد أكتشف صاحب الصوت. التفت إلي بثقة وثبات وقال: أنت، وأشار إليً أن غادرِ الجوقة، من غير أن يحاول معي ما حاوله مع فيروز. «الدنيا حظوظ» لكن حسبي أن مكتشف فيروز ذات عام، هو نفسه مكتشف نشوز صوتي، فأنا في مرتبة فيروز من حيث الاكتشاف، أو قل الانكشاف، والضد يظهر حسنه الضد!

شعر منسي

مما لا أنساه من شعري ذكرى قصيدتين منسيتين، أولاهما قلتها وأنا في الصفوف الثانوية، إذ كنت في رفقة زميل لي في دار المعلمين الابتدائية، وفي الطريق قال لي: تزعم أنك شاعر، حسن فهيا ارتجل لي قصيدة! ولا أدري أقترح هو الموضوع أم استلهمت أنا موضوعاً من حالنا وحال ما حولنا في تلك اللحظة. وطفقت أقول على مهل ما يجود به خيالي، ولم أكن أعلم أن الزميل يتمتع بذاكرة قوية. ومضى زمن بعد ذلك لا أذكر مقداره، وإذا أنا ألتقيه، وإذا هو ينشد قصيدة على مسمعي. قلت له: جميلة، لكنها لمن؟ وبدت على وجهه علامات التعجب، وكأنه يقول لي: أتسخر مني؟ ولما أيقن من صدق تعجبي قال لي باسماً: إنها لك! لي؟ نعم، قلتها لي يوماً ونحن نسير قريباً من الدار. فاستعدته تلاوتها وأنا سعيد بذلك. لكنني لم أكتب النص، لعلي نسيت أنني ممن يعسر عليهم حفظ أشعارهم. وافترقنا كل في عمله، ونسيت القصيدة، ولا أدري إذا كان الزميل يذكرها، بل لا أدري إن كان لا يزال حياً أم مضى مع الراحلين.

أما القصيدة الأخرى فكانت بالفرنسية، إذ كنت مع زمرة من الزملاء في جامعة باريس الثالثة، وطرحت علي إحداهن السؤال نفسه: أحقاً أنك شاعر؟ نعم. ارتجل لنا قصيدة إذن. وكان بين أصابعها لفافة دخان، وكانت تنفث الدخان بين حين وآخر، فاستلهمت هذا المشهد وكنت حديث العهد بقراءة بودلير، فطفقت أرتجل ما أزعمه شعراً، حتى إذا انتهيت، صفق الزملاء لي، وقالت من سألتني ارتجال القصيدة: هذا هو الشعر! 

ليس المهم أن يكون ما قلته شعراً جميلاً، أو يكون من الشعر الحقيقي، بل المهم أنني لا أذكر الآن أي حرف مما ارتجلت، ولم ألتق أياً من هؤلاء الزملاء الفرنسيين بعد انتهاء الدراسة، ولا أعرف أسماءهم ولا من بقي منهم حياً، فعلم ذلك عند الله، والمهم أن القصيدة دخلت في غياهب النسيان وكأنها لم تكن. أجل، كأنها لم تكن.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.