هناء غمراوي

تبدأ شيفرات الرواية بالظهور منذ قراءة العنوان؛ فما علاقة القبر بالبحر الأبيض المتوسط؟
من بين الروايات التي قرأتها، كان هناك روايات بنيت على الغرائبية بحيث ينشئ الكاتب من خلالها مجتمعات غريبة؛ بعضها ضارب في التاريخ، وبعضها يكون خارج الزمن، بحيث لا يمكننا تحديد العصر الذي تنتمي اليه. حيث يتكئ الكاتب على سرد أحداث قد تكون موازية لأحداث حصلت أو تحصل في الزمن الحالي. أما اسماء الشخصيات التي يعتمدها فتشبه في غرابتها وسلوكياتها احداث الرواية التي يكتبها.
وهذا النوع من الروايات يضع القارئ مثلي في حيرة فلا هي من الخيال العلمي، ولاهي من الأساطير، ولا هي تقارب بأحداثها واقع الحياة. ولا أستطيع ان اضعها في خانة جنس ادبي معين. وأشير بالمناسبة الى انني قرأت بعضاً من هذا النوع ومن ضمنه رواية للروائي الدكتور أمير تاج السر بعنوان؛ “جزء مؤلم من حكاية”.
بالعودة الى القبر الأبيض المتوسط؛ فالعنوان بدلالته الأولى يشي بالموت، الذي لا بد ان يكون ملازماً للقبر. ولكن أحداث الرواية بمجملها ليس فيها ما يشير أو حتى يلمّح إلى أحداث تستدعي ذلك. ما خلا الصفحات الثلاث الأخيرة منها حيث يصور لنا فيها الكاتب بطل الرواية، الدكتور وجدي وقد دفن داخل الثلج الأبيض حياً.!
فبالرغم من أن أحداث الرواية تزامنت مع جائحة كورونا فان الكاتب لم يشر لا من قريب ولا من بعيد الى وقوع أي ضحايا نتيجة الجائحة.!
يصحبنا الدكتور كريم صبح في رحلة من نوع خاص؛ فالمكان؛ أي نقطة الانطلاق؛ هو من بغداد العاصمة والحاضرة العربية، أما الجهة المقصودة فهي مدينة بطرسبورغ مسقط رأس دوستوفيسكي. والزمان هو أواخر العام ٢٠١٩ بداية ظهور الجائحة (كورونا).
يأخذنا الروائي في رحلة الى بلد الصقيع روسيا بصحبة الدكتور وجدي استاذ التاريخ في جامعة بغداد، الذي سيستقيل من عمله الجامعي ويتفرغ لكتابة الرواية اسوة بكاتبه العبقري دوستوفيسكي. سيهجر الدكتور وجدي التاريخ، ثم ًيعتنق الأدب لان في الأدب بحسب اعتقاده خلاص البشرية. لذلك فهو يستقيل من عمله في الجامعة ويوزع محتوى مكتبته على الأصدقاء، ويصب كل اهتمامه على؛ “كيف سيكون كاتبا”! ولكن فكرة الكتابة تؤرقه ولا يستطيع الإمساك بها فتصبح هاجسه الدائم…
وبهدف ملاحقة هذه الفكرة يهجر وجدي زوجته مرام وابنه الوحيد، ويسافر الى بطرسبورغ. ويقيم هناك في فندق تديره تاتيانا صبية روسية ثلاثينية لا تلبث ان تقع في غرامه…
ولكن تاتيانا وبسبب الجائحة تضطر لمغادرة الفندق بطلب من والديها ليبقى الدكتور وجدي وحيداً هناك مع مساعدتها العجوز. ويتعرف في هذه الأثناء الى السيدة بافلوفنا الثمانينية زعيمة الشامانيين التي تعده ببلوغ الهدف الذي يسعى اليه بأن يصبح كاتباً مقابل بعض الشروط التي ستفرضها عليه.
تبدأ رحلة الدكتور وجدي مع السيدة بابلوفنا أو السيدة المبجلة، كما كان يدعوها بالذهاب الى أقاصي سيبيريا حيث مكان اقامتها مع أتباعها من الشامانيين، وحيث قضى دوستوفيسكي، خلال حكم القيصر سنواتٍ من السجن والنفي هناك.
يوافق الدكتور وجدي على شروط زعيمة الشامانيين بالرغم من عدم اقتناعه بها. لقد وعدته بأن تجعل روح دوستوفيسكي تحل به وهكذا فان مشكلته مع الكتابة ستزول وسيحقق حلمه في أن يصبح كاتباً.
الرواية التي كتبها كريم صبح لا تشبه غيرها من الروايات، ولا نستطيع تصنيفها بسهولة بين غيرها من الأعمال الأدبية الروائية؛ فهي تخفي بين السطور معانِ كبرى تتلخص في علاقة الانسان في صراعه الأزلي بين الواقع والماورائيات، بين الروح والجسد، بين ما يشير اليه العقل وما يميل اليه القلب. كما يصور لنا د. صبح في الرواية صراعاً من نوعٍ آخر، يلخص من خلاله أزمة الكاتب مع الإبداع، والذي يقع فيه بعض الكتاب، وبخاصة أولئك الذين ينشدون الابداع الحقيقي، حد الاختلاف والتميز.
الملفت في الرواية أيضاً براعة الروائي في السرد والقص. فالدكتور كريم صبح، صرّح خلال أكثر من لقاء حواريّ بأنه لم يسافر الى روسيا ولم تطأ قدمه أرضها قط ومع ذلك فهو يسترسل في تسمية المدن والقرى، والشوارع والبحيرات والأنهار. ويحكي عن الطقس ومواسمه وتقلباته ويستفيض في وصف الأطعمة والمشروبات الروسية استفاضة العارف، لدرجة يجعل القارئ يشعر وكأنه بصدد قراءة نص من جنس أدب الرحلة، وليس رواية متخيلة. وبخاصة عندما يصف السهول والبحيرات السيبيرية خلال الرحلة الطويلة التي بمضيها بطل الرواية في القطار الذي كان متوجهاً الى سيبيريا. الى المكان الذي وعدته السيدة بابلوفنا بطل الرواية دكتور وجدي بمساعدته على استحضار روح دوستوفيسكي لتحل به ويتمكن من كتابة روايته الأولى.
وصلت الى الصفحة 242, الصفحة الأخيرة! لكن دهشتي لم تنطفئ، ما جعلني شبه متأكدة بأن الرواية لم تكتمل بعد.
رواية «القبر الأبيض المتوسط» تقع في 242 صفحة وصدرت عام 2024

الدكتور كريم صبح من مواليد كركوك العراق، حاصل على الدكتوراه في تاريخ أميركا الحديث، من جامعة بغداد، ويعمل أستاذاً محاضراً فيها. له عدة مؤلفات في التاريخ، وعدة مجموعات قصصية. وأول رواية صدرت له العام 2020 بعنوان؛ الوجه الآخر للضباب.