ياسين الغماري

انفجرت بالبُكاء – في حين كانت – تركض بين السيارات. كانت تتقصّى عن الموت. بعض الشُجيرات – الّتي تفرش ظلالًا سوداء – تُزيّن المقبرة، بينما تصفّر الرّيح ببطش. تبثّ الرعشات حول حوافها. ينتقل الزلزال عبر عروقها. تموّجت أشباح الماضي المُروّعة حولها. كانت القُبور مستوية والأرضَ. تُقرفص “نور” كنملة بائسة. تتقاذفها الأمواج وتجرفها إلى قعر دوّامة تصرخ صرخة واجمة. تكتسحها إلى جوف الزوبعة. دوّامة لا منجى منها. ويدوي زعيق رهيب. فهبّت نحو القبر الّذي كان قلبها دليلًا إليه. كان يجب أن تختار قبرًا أكثر رقّة وسُهولة في النّبش بهذه المجرفة. قبر يروقها ويُوافق رغَباتها. كان ذراعها مُرتخيًا وفضفاضًا لم تكن قادرة على الحفر. لذا جمعت الشتات بتصميمها، ثم بسملت وتوكّلت. غمامات تُحيطها من فوق. تُغمض ضياء تباشير الفجر. يخترقها رعد. وفي هذه اللّحظة – كيْلَا تكون واهمة – الإحساس بالموت ابتدأ يدنو على مهل. وبقلب واجف تحيّنت اللّحظة وطفقت تحفر. تحفر. تحفر. بلا رحمة. إلى أن تمكّنت من مرأى الميّتة الّتي ستحتلّ محلّها. «يا موت، أغثني من حياتي. يا حياتي، انجديني من الموت. يا مسرّاتي أنقذيني! الكثير منّي يروم إلى قتلي. شخص ما يعبث بأعصابي ويدفعني لقتل نفسي. إنّي أريد قتل نفسي. أن أضع نُقطة للضّياع والألم»، صدح صوت فاجعيّ من قاع القبر. استمعت إلى بُكاء الموتى وصُراخ المُعذّبين. أنّى جرُؤت واقتحمت حُرمتهم؟ وهُنا يهوي بصرها على المرأة العجوز. كانت تضع شالًا. فدنت “نور” من موقعها وأنشأت تتلصّص على ما كانت ترتكبه في هذه الساعة من الفجر. تحفر بمخالبها ثلاثة قُبور. لتفاجا بأمر كُتب عليهم الآتي : «نور الهاني» «رضا الهاني» «جميلة الهاني» القلب الآيل للارتعاش يرتعد. يغرق في عاصفة من الرّياح العاتيّة. تتوارى “نور” قفا شجرة الصّنوبر وتتقرفص متى رجمت المرأة العجوز نظرات وجلة في كل الاتجاهات خشية أن يُدركها الزّوار. شمخت برأسها – لحظة – دويّ نعيب الغربان. فأدركت حينها بأنّ المرأة العجوز المُسترابة تطبخ فاجعة ما، وقيعة ما. سيلًا من المأساة. وخزتها حشرات غريبة فيمّمت وجهها شطر المرأة العجوز، ولم تجد أي أثر لها هُناك. لم تمكث على هذا الوضع حتى وجدتها واقفة طويلًا أمامها. تُحدّقها بعينيها الخبيثتان الشّبيهتان بعينا البوم المُخيف. بنظرات سقيمة وحاقدة رمقتها. نظراتها ينبعث منها الكره والبغضاء والهشيم اللاّذع. نظراتها تُوحي بالشرّ. عيناها تلوحان شديدتا الحُمرة. وراحت المرأة العجوز تصهل صهيلًا مُروّعًا. وترفس عُنق “نور” رفسًا وتقفز. تنتفض وترتعش. وتهتزّ كمن لامسها تيّار صاعقً. تتحرّر كل العناصر الشرّيرة من أغلالها وتنشر الرُعب في أرواح المدينة. لا شك أنّ هذه المرأة العجوز هي أخطرهم. ومع وميض العين، تنفرط “نور” من أذرع المرأة العجوز المُقزّزة. الشّهقة تسبح داكنة. لا تعرف من أين أتت الشجاعة لإطلاق ساقيها إلى الريح. ركضت. ركضت في الاتجاه الآخر. ركلت باب المقبرة ركلًا وتركته على مصراعيه. إلى أمر مُريب، أصبح فجأة بغيضًا، تفطّنت أنّ المرأة العجوز قد ملّصت ذراعيها وأخلت سبيلها. دُهشت . وغاصت مدينة الضباب – الّتي لا تموت – في أبخرة كثيفة.