عطر جاف

عطر جاف

اللوحة: الفنان الألماني لوفيس كورنث

سليم الشيخلي

–  أخبريني الآن عن جدي. قالت سميرة.

– ماذا تريدين أن تعرفي؟

– كل شيء، إن ذلك يهمني.

كان جدك رجلاً مثل كل الرجال ولم يختلف عن كثيرين بحبه للعمل، الإنسان، الوطن وصبغ هذا الحب سلوكه وعمله.

– كيف؟

– كان يعشق عمله ويحب الناس، يقف مع الفقراء ينبههم إلى أسباب فقرهم ويكتب وصفة العلاج، يقود مظاهرات، يتحدى السلطة لو جرح الوطن، فتزجه في سجونها ثم يأتينا بعد فترة مبتسماً وبعافية أقل من تلك التي دخل بها المعتقل.

–  ما الذي تغير يا جدتي؟

–  كان الشر غبياً فأمن الخير ونام ولما استيقظ وجده بأنياب وأحواض أسيد وهراوات كهربائية تضرب حصارات حول المدينة.

– ونضال جدي وربعه؟

– جيرته الدبابات الوطنية لصالح المخابرات الأمريكية.

–  والحل؟

– زلزال يقلب الأرض لتنمو أشجار جديدة لم تفسدها رائحة البارود وتعلن ولادة الإنسان الجديد.

– أليس من الصعب أن نبقى نعيش هكذا محاصرين بنعم للقائد وكل اللاءات محشورة قسراً في لغتنا وحركتنا.

– ذاك من إحساسهم بالخوف. لقد اعتقدوا بامتلاكهم الوطن والسكين أنهم سيمتلكون العزة والكرامة لكنهم كالضباع التي تعيش على الجيف، يمدون الحصار بالحطب كي تسعر ناره ويتاجرون بنا للعالم.

–  والإخوة العرب؟

–  باعونا مرتين، الوقوف معه في حربه الغبية ضد إيران دون العودة إلى منطق العقل وفي إطالة الحصار لدعمه وتعطيل ما تبقى لنا من كيان إنساني. أعرف أني تعطلت منذ وفاة جدك وأصبحت كياناً تخلى عن أبسط أشيائه، لم يعد بداخلي إلا الدجاجة التي تركض حول صيصانها

– فيك الخير والبركة يا جدتي. أنت موقف شموخ ارتقى بالواجب على حساب نفسه، نحن نقدر ذلك. كانت أمي يرحمها الله تعتبرك قديسة، نلمس ذلك فيالخبز الذي نأكله، الملابس التي نرتديها، في كل شيء ترسلينه لنا، كنت دائماً معنا رغم الحرائق والمسافات

– كم أنا سعيدة يا سميرة، أنتم سر صمودي، فالقلوب سواقٍ. كان الثلج ينزل طوال أيام فأضطر إلى الوقوف لبيع السجائر، كنتم تشدون ما يتراخى مني، أحس أياديكم تمسح مواضع الألم، فأحس الدفء والعافية.

مدت أناملها شعري لتداعبه مبتسمة. أي شلالات هادئة من الرضا تساقط علي وتتجمع عند قدمي. بقيت ساكنة أتمتع بلمساتها الساحرة وحبها البريء،أخذت يدي وقبلتها فلم أعد أقوى فأخذتها الى صدري وهي مستسلمة كقطة أليفة، همست:

– لابد أن يبزغ الفجر الجديد

– لقد كبلوه والموتى لا يعودون

–  لا تكوني متشائمة يا قارورة الطيب.

–  ربما أكون كذلك يا ابنتي لكثرة الزلازل التي هدت الإنسان والوطن.

–  ومن شقوقها سيبزغ الفجر

– آنذاك أجد لي قبراً دون عناء. وفجأة لمع لي طيف أم محمد.

– الله يعطيك عمراً وعافية جدتي وتفتحي الشبابيك لنور الفجر الموعود.

أحسست بوخز في صدري من هذا الحوار. إن أقل زلة لسان في هذه الغابة الكونكريتية تؤدي إلى الموت لا محالة. كيف آمن عليها في ظل ظروف لم ترحم حتى أنبياءها؟ الأب يسلم ابنه إلى المقصلة والزوجة تشي بزوجها

– خذي حذرك يا ابنتي ولا تتحدثي بأي شيء خارج المنزل.

– أعرف ذلك والله يحمينا.

تشهيت كتف هدى لأضع رأسي عليه لكنها انقطعت منذ زيارة الهدايا فعلقت وجهها طفلة في الذاكرة أستمد من نسغه شهوة الحياة. أهكذا تأخذنا الأيام والرغبة الجنونية في العيش على جثث الآخرين؟ هل بدأنا نأكل لحم أهلينا دون إحساس؟ لقد كانت جالسة في الصف الأول في الحفل الذي أقامه اتحاد النساء فرع الكرخ بمناسبة اختلقوها والمذيع يكيل مديحاً أسمى وأرفع من مديح الأولياء والأنبياء فقمت إلى جهاز التلفزيون وأغلقته. كم تمنيت أن أغلق أشياء تفرض كيانها علي فتلامس بلزوجتها يومي كله

الأزمات تشتد والأشجار أبت أن تتزين للربيع مبكراً فألصقنا لها أوراقاً صناعية خضراء في أحلامنا. يأتي كوفي عنان إلى بغداد للتباحث في أمور معلقة بين الحكومة والعالم والتنين يتملل من جديد وليست هناك معاهدة صلح بين الصاروخ وبيوت الفقراء لكنها بانت واضحة بينه وقصور الرئاسة والحرس الأصفر، أهذا قدرك يا مدينة المنصور، لعق جراحاتك والنظر إلى أبنائك يموتون دون رحمة، قدرك الدموع ويدان مكتفتان! اتفقوا على أشياء أجلت خوفنا من عشوائية القدر لننام هذه الليالي بعين واحدة لتحرس الثانية البيت من اللصوص المنتشرين دمامل شتائية تحت الإبط. روت لي سميرة قصة أشبه ما تكون بنكتة. من أن عائلة تحرس بيتها ليلاً بالتناوب أحست بوجود لص يجلس جنب السيارة لسرقة عجلتها فكتفوه وحبسوه في غرفة الحمام وبدأت لعبة الاستمتاع بجسده بالأنابيب المطاطية لتأديبه، بعد نصف ساعة دق الجرس فإذا بدورية الشرطة تسألهم إن كانوا شاهدوا لصاً يتجول فيالمنطقة أو شكّوا بحركة مريبة في مثل هذه الساعة  فأنكروا، ولما كان فمه مربوطاً فلم يكن هناك صدىً للسعات التي تتساقط عليه لسداد فواتير مؤجله. دق الجرس مرة ثانية.

–  نحن متأكدون أن لصاً قد عبر إلى داركم.

– نحن لا ننام إلا بعد صلاة الفجر وإن لم تصدقنا فادخل وفتش بنفسك.

احتار مسؤول الدورية وقفل عائداً بعد أن أسقط عذر الصلاة من يديه حقيقة رسمها بنفسه، فقال:

–  إذا حدث شيء مريب للشك فالدورية واقفة عند التقاطع وسنكون في خدمتكم.

عاد الأب وأولاده يمارسون لعبة إراحة ضمائرهم من هم ثقيل حاصرهم منذ سنوات بعد الأذان الثاني دق الجرس مرة ثالثة.

– أنا متأكد من أن لصاً دخل داركم ولم يخرج بعد، قالها بتوسل متلعثم وأضاف: لا أخفيك سراً أنه أحد أفراد الدورية دخل ليسرق لنا وبعد قليل سينتهيواجبنا ونعود إلى المخفر ولابد أن يكون معي، أعطني إياه ويشهد الله أن لا نقترب منك ثانية.

– دعني أتأكد من ذلك.

دخل الحمام ورفع الكمامة عن فمه فبدأ بالتوسل وطلب الرحمة.

– وهل ترحمون من يدخل زنازينكم؟

–  التوبة، على إيدك، والعباس ما أسويها مرة ثانية.

لملم تعبه، حقده، صدأ الأيام في صفعة أدارت رأس اللص الغبي الذي تلقاها دون أن تهتز له أنملة في تلك الصورة الذليلة المرسومة على وجهه.

–  والله ما أسويها مرة ثانية.

–  أكيد.

–  أكيد.

سحبه كما يسحب خروفاً ميتاً إلى الخارج وسلمه إلى مسؤوله الذي شكره وطلب منه كتمان الأمر أو دون ذكر أسماء وأماكن، هذه هي السلطة عندما تسقط من يدها البندقية تتراجع لتوافق بالأخير على كل القرارات حتى دون قراءتها لحفظ مكانها مضحية بماء الوجه.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.