اللوحة: الفنانة النرويجية إنجريد ثورتفيت
مارا أحمد

أتممت عامي السادس عشر، اليوم استلمت بطاقة هويتي، منذ اليوم لي الحق في أن أختار حاكم مدينتي في انتخاب أعضاء مجلس النواب، أو رفضهم، صرت أحد أفراد هذا المجتمع.
أنا فتاة أقضي جل ليلي في الأحلام؛ لي الكثير من الرصيد منها؛ مكتظ بشتى أنواع الأحلام:
هناك حلم يراودني عن فتى الأحلام، تتنوع ملامحه بتنوع حالتي المزاجية واضطراب هرمونات جسدي؛ أحيانا يطل بوجهه الشاب الذي غطته بثور حبوب الشباب، وأحيانا يأتيني كرجل ناضج يحتويني من غموض العالم، يقدم لي الأساور المرصعة، وأحيانا يحضر إلى الرؤية كمناضل يرتدي الشال الفلسطيني ويلوح بيده رافضا للاحتلال الصهيوني، نادرا ما أراه ثابت الملامح، وأحيانا أراه لاعب كرة يتنقل بين البلدان وأتنقل معه لأشاهد العالم، ينتشلني من التقوقع في بلدي، في قريتي، في بقعتي الخاصة بحجرتي.
أو قد يكون مطربا مشهورا تطارده المعجبات، ورغم ذلك لم يحب سواي، تطارده المعجبات وأطارده بحبي وغيرتي، يغني لي عشرات الأغاني، وإن اختلفنا؛ يناديني بأغنية ودمعة في أحد برامج الفضائيات.
وهناك أحلام تحلق بي لأكون ذاتي؛ مكتفية بنفسي؛ كامرأة ناجحة تتساقط فوقها الأضواء؛ لا تكتفي بأن تقف خلف رجلها في الظل. قد أكون طبيبة تصاحبها سماعتها ومشرطها، الأولى تكشف عن مكمن المرض والآخر يشق لنزع العطب من جسد مريض، وأدخل التاريخ باسمي لا بكنيتي كأم فلان أو زوجة فلان، بل أنا.
قد أكون معلمة تتزعم صحوة فكرية بين طلابها الذين يتطلعون إليها كمنبع للحكمة والحقيقة الواحدة؛ فأوقظ ما بداخلهم من أحلام، فيخرج جيل يرفع الوطن على أكتافه ناهضا به من بؤرة ظلَّ فيها عقودا كبلد في آخر ركب الحضارة.
حين تتعقد العلاقة بيني وبين هرمونات جسدي وتضييق رؤيتي وتتقزّم أحلامي، أراني زوجة وأما خزنت كل أحلامها لتهديها إلى أبنائها؛ أساندهم ليحملوا راية طموحي، ليحققوا ما عجزت عنه.
أنا فتاة في مقتبل فصل الربيع متقلبة كما هو ذات عواصف وأتربة عن غضب، وذات زهور تفوح عطرا وتتراقص للحياة، بل هي الحياة، أشعر بمدى حظي حين أرى نظرات النساء والرجال لي، النساء ذوات المسؤوليات التي أنهكت كاهلهن فزهدن في التبرج والتأنق والأحلام.
هنا رجل ينظر لي وقد اعتلت وجهه ابتسامة، وشرد بقلبه وعقله بعيدا محلقا في أحلام اليقظة؛ ربما يرسل لي رسالة أنه يغبطني على قدومي إلى الغد؛ الذي يغادره هو إلى العجز وأمنية تطل من عينيه: ألا ليت الشباب يعود يوما؛ ليصحبني في رحلتي والقادم من أحلام؛ فلقد أجهده الواقع وكتفته طلبات وأمنيات الغير.
أرى نظرة عجوز لي وقد سال لعابه على فورة شبابي ورغبة تتأجج داخله، لكن أجهزته عطبت، وروحه ما زالت بعد شابة؛ روحه كما سائق شاب يقود سيارة عتيقة تآكل هيكلها، وعطبت أجهزتها التي تم إصلاحها عشرات المرات، وتغيير أجزائها بأخرى، كما رقع في فستان سترت الجسد ولكنها بلا جمال، ضعيفة لا تتحمل تقلب المواسم، سرعة السيارة تكفيه لتحمله فقط إلى السوق والعيادات.
أنا فتاة متأنقة بالحلم والثقة إلا من ترقب القدر ويده الممدودة لي بالمفاجآت التي قد تكون جميلة وقد تكون كارثية.