مدارات وأفلاك

مدارات وأفلاك

اللوحة: الفنان الأميركي أندرو وايث

محمد محمود غدية

عضها الفقر بنابه واختطف الموت ابويها البائسين وهي طفلة، فكفلتها عمة غليظة القلب، اضطهدتها واستبدت بها واذاقتها صنوف العذاب.

 لا حيلة امامها سوى الصبر على الهوان، دفعت بها للعمل كخادمة في البيوت، لا تلتقي بها إلا أول كل شهر لتقبض المرتب، سنوات عذاب تتوالى وتكبر البنت، وتعي ما يدور حولها واضطهاد عمتها وتتمرد وتختفي، لتعود امرأة اخرى خمسينية، يعيش الحزن بين جنباتها كتراب الأرض واحجار الجبال، بوجهها بقايا جمال يوشك على الانتفاء، تخفيه خلف المساحيق، وعمليات شد الوجه ونفخ الشفاه.

 تمتلك سيارة فاخرة وترتدى حلل الأبهة والفخامة، ماتت عمتها قبل ان تراها وهى صاحبة جاه وفخامة، اشترت شقة فاخرة في الحارة التي شهدت مولدها، التي لم تعد حارة كما في السابق، تحولت الى ناطحات سحاب، شوارعها نظيفة مسفلتة، حبها للمكان قاهر بطبعه، للناس وللأشياء وللأحداث والخطوب ايضا، تناثرت حولها الحكايات، بدء من زواجها بعجوز مات مخلفا وراءه كل هذه الثروة، واخرى في سفرها مع مخدومتها الى بلاد لا تتحدث لغتها، تعلمت وتدربت على فن الاصغاء والحديث، عرفت الخمر وموائد القمار، وهى لاهية عن هذه الحكايات التي تصلها، تعتني ببشرتها التي في لون الحليب الصافي، في محاولة للتطهر من كل هذه المرارات التي داهمتها وتجرعتها على مهل رشفة رشفة، خلعت اثواب الوجع والعذاب، تعلم انها امرأة عاطلة من الشباب والذكريات الحلوة، حتى كان يوما التقت فيه بحبها القديم، كان حب من طرف واحد، لأنه كان لا يرى فيها سوى خادمة، وهى كانت ترى فيه الحلم، يكبرها بسنوات خمس، متزوج لديه بنتان وولد، حدثها عن حياته والاعتيادية والملل، والمطالب التي انهكته وكسرته، اعترفت انها مازالت تحبه، وتبحث عنه في كل الوجوه ولون البحر والسماء واجنحة النوارس، انه امام امرأة اخرى، متعطش للرحيل في بحرها ومدارات كوكبها، تزوجها بعد ان طلق زوجته وهجرته لأولاده، هذا كان شرطها، امام حلمه برغد العيش والشقة الفاخرة والسيارة، دفع بواب العمارة بابنته المطلقة لتعمل خادمة لدى السيدة، التي تفرغت لزينتها والتردد على بيوت الأزياء، وكان على الزوج ان يتدلل ويطلب من زوجته: سائق لسيارته، تشبها بالبهوات المنتفخين مثل إصبع الباذنجان المحشو بالأرز! 

وافقته وهي الشاردة في ليل العالم الواسع، تشرب غربتها مع قهوة الصباح، والزوج يتفاخر ويتعاظم ويتبجح الى ابعد حدود التفاخر والتعاظم والتبجح، يضطره العرفان بالجميل، الى ان يحرض نفسه على حب لا وجود له، يمارسه ملولا كل يوم، تستشعره وتخفي نفورها منه، حتى كان يوما، عاد فيه الزوج فلم يجد الزوجة في البيت، وقد اخذت كل اغراضها وذهبها ونقودها، والسائق الشاب واختفت  

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.